فهرس الكتاب

الصفحة 5331 من 27364

كما أنه يمارس بتراً وتقطيعاً لكثير من الحقائق، ويقوم بتغييبها ويعمل على تجاهل أو عزل الأحداث والأفكار عن سياقها الطبيعي. فالقارئ لما كتبه ويكتبه برنارد لويس يجد وكأن الحضارة الإسلامية والتاريخ الإسلامي لا يوجد به غير الحشاشين والإسماعيلية والقرامطة، وبعض الفرق المنحرفة الأخرى التي بادت أو انحصرت عن التيار العام للإسلام والثقافة والحضارة الإسلامية والتاريخ الإسلامي.

ومما يُلاحظ على كتاباته عن التاريخ الإسلامي أنه يبرز كل الفرق المنحرفة والانحرافات الفكرية التي لا يمكن بحال أن تطغى على الخط العام المعتدل في التاريخ الإسلامي.

وبرغم اعترافه في كتابه (تنبؤات برنارد لويس) بأن العالم العربي هو مهد الحضارات والأديان السماوية بقوله:"هذه المنطقة التي كانت مركزاً للحضارات، وحاضنة الأديان السماوية، وكانت موطن أول مجتمع عالمي ذي ثقافة بينيّة بكل ما للكلمتين من معنى، وكان مركز إنجازات عملاقة في كل حقل من حقول العلوم والتكنولوجيا والثقافة والفنون، وكان قاعدة لإمبراطوريات متتالية شاسعة وعظيمة".

فإنه يرى أن هذه المنطقة انتهى دورها الحضاري، وخاصة مع تنامي مد الصحوة الإسلامية، هذه الصحوة التي يراها برنارد لويس بالعين العوراء، حيث يؤكد افتراء أن دعوة الإسلاميين للديمقراطية دعوة خادعة وغير صحيحة، وأن دعوتهم إليها هي بهدف الوصول للحكم، وعندما يتحقق هدفهم ينقضون على الديمقراطية وكل من يخالفهم الرأي. ويرجع ذلك -بزعمه- إلى طبيعة الإسلام ذاته؛ إذ يرى أن الأديان لا تقبل الديمقراطية، وخاصة الأديان الأصولية -يقصد الإسلام طبعاً-.

ويزيد في تهويل الأمر من خلال توقعه بأن العالم العربي والدول العربية هي الأكثر تعرضاً لخطر التفكك، وأنها ليست الوحيدة، فالاتجاه نحو التفكك سيزداد بتشجيع من الشعور الاثني والشعور الطائفي المتناميين، وقد تسربت الفكرة المغرية بحق تقرير المصير إلى عدد من الأقليات الاثنية التي لم تعد تكتفي بوضعها السابق.

لكنه بتطبيقه لآلية التهويل هذه في تهويل أمر الأقليات في العالم العربي، فإنه يمارس آلية التهوين من خلال تغاضيه عن التصريح بمن يقوم بتغذية هذا الشعور العرقي والتفكك الاثني.

ويخرج علينا بمقولة آخرى غربية يدعي فيها نبي الصهيونية الجديد بأنه من اجل إنقاذ الشرق الأوسط ينبغي ان نعتمد على عوامل ثلاثة هي تركيا وإسرائيل والنساء. لأن تركيا اختارت العلمانية والالتحاق بأوربا؛ فهي لا تحمل أمراض الشرق الأوسط بزعمه، اما إسرائيل فهي الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة، في حين أن النساء تعرضن للقمع من قبل الثقافة التقليدية السائدة (الثقافة الإسلامية طبعاً) . وخاصة النساء اللائي يركز على دورهن في تحويل الشرق الوسط إلى بحيرة ديمقراطية.

كما أن برنارد لويس أعلن تفكك وموت العالم العربي منذ حرب الخليج، واعتبر أن إسرائيل وتركيا هما الدولتان الوحيدتان الناجحتان في منطقة الشرق الاوسط. كما أكّد في مقال له في مجلة (Fo r eign Affai r s) في 1992 حيث قال: إن"غالبية دول الشرق الاوسط. مصطنعة وحديثة التكوين وهي مكشوفة لعملية كهذه. وإذا ما تم إضعاف السلطة المركزية إلى الحد الكافي، فليس هناك مجتمع مدني حقيقي يضمن تماسك الكيان السياسي للدولة، ولا شعور حقيقي بالهوية الوطنية المشتركة، أو ولاء للدولة الأمة. وفي هذه الحال تتفكك الدولة مثلما حصل في لبنان إلى فوضى من القبائل والطوائف والمناطق والأحزاب المتصارعة"

ولذلك فهو يرى أن على أمريكا ألاّ تخاف من غضب الشارع العربي، فإن غضب العرب والمسلمين من الغرب يفتقر في مجمله إلى أي أساس، كونه لا يتجاوز محاولة يائسة من مجتمعات فاشلة لتحميل قوى خارجية، خصوصاً الولايات المتحدة الاميركية واسرائيل، مسؤولية الأزمة الخانقة والتخلف والتفكك الذي تعانيه.

والناظر في معظم توجهات الإدارة الأمريكية في العالم العربي خاصة والعالم الإسلامي ككل، يلاحظ أن مقولات وتوجيهات برنارد لويس قد تحوّلت إلى سياسات وبرامج تعمل الإدارة الأمريكية المتصهينة على تنفيذها، ولا يجد المرء كبير عناء في ربط مختلف تفاصيل هذه السياسات مع الأفكار التي وضعها برنارد لويس في كتاباته الأخيرة منذ أربع سنوات تقريباً إلى اليوم. وبهذا حوّل برنارد لويس الاستشراق من حقل أكاديمي إلى مكتب تحليلات يحرص على توجيه سياسات الإدارات المتصهينة في العالم والإدارة الأمريكية خاصة في الشرق الوسط، كما يعبّرون عنه أو العالم العربي كما هو ثابت تاريخياً.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت