وهذا العمل الذي يستهدف صياغة منظومة إعلامية إسلامية للمجتمع الإسلامي لن يتحقق إلا خلال اجتهاد عصري يقوم به علماء يمتلكون زاداً متيناً من العلم الشرعي، ويمتلكون أيضاً زاداً متيناً من العلم الإعلامي في جانبيه النظري والتطبيقي. ولا بد من أن يعتمد هذا الاجتهاد العصري على تلاحم عنصرين هامين هما:
أولاً: دراسة المصادر الأساسية للإسلام دارسة إعلامية علمية لاستنباط الأسس والقواعد التي تنظم العملية الإعلامية أو ترشد إليها. ويردف هذه الدراسة محاولة الكشف عن ذخائر التراث الإسلامي عبر العصور مما له صلة بالممارسة الإعلامية.
ثانيا: دراسة نتاج البحوث والدراسات والممارسات الإعلامية المعاصرة واستيعابها، ثم استلهام روح التشريع الإسلامي ونتائج الدراسة الإعلامية العلمية لمصادر الإسلام وتراث المسلمين للوصول إلى رؤية واضحة لما ينبغي أن يكون عليه الإعلام الإسلامي في الجوانب النظرية والتطبيقية التي ذكرتها آنفاً.
كيف نصل إلى الإعلام الإسلامي ؟
إنَّ تحقيق ثمرة هذا التصور النظري للإعلام الإسلامي، بشموله وتكامله، لن يكون إلاّ بمحاولة الإجابة على هذا التساؤل الملحّ: كيف نصلُ إلى الإعلام الإسلامي؟.
وفي تصوّري أنَّ الوصول إلى الإعلام الإسلامي يحتاج منّا العمل الدؤوب في أربعة ميادين رئيسة هي:
1-ميدان الإعداد والتأهيل البشري:
إنَّ أّهم الوسائل للوصول إلى تحقيق الإعلام الإسلامي في واقع الحياة وأنجعها هو إعداد الكفايات البشرية المتخصصة في الإعلام، وتأهيلها فكرياً، وخُلُقياً، وعملياً، ومهنياً. إن الإنسان هو العنصر الأول في إحداث أيّ تغيير مقصود. والعناية بإعداد الإعلاميين الإسلاميين، وتأهيلهم حتى يكونوا قادرين على تحمل هذه المسؤولية الضخمة، ليس أمراً سهلاً قليل التكاليف، بل هو عمل كبير، يتطلب منا جهوداً عظيمة وطاقات عديدة. إن الطبيب - وهو يطّبب الأبدان- يمر بفترة صعبة ومكثفة وطويلة من إعداد والتأهيل، فما بالك بالإعلامي، وهو المعلم، والمربي، والقائد، والموجه، وصانع الرأي في المجتمع ؟! إن مهمّته- ولا شك - أعظم، ومسؤوليته أكبر، فهو يطّبب النفوس، ويؤثر في العقول، ويسهم في صياغة مواقف الناس وسلوكهم. ومن ثم، وَجَبَ أن يكون تأهيلُه موازياً لهذه المسؤولية المنوطة به ولابدّ لإعداد الإعلامي الإسلامي وتأهيله من أن يتكامل المنهج العلمي والعملي في الجوانب التالية:-
أ - الإعداد الأصولي والفكري، حيث يتعرّف الطالب على الأصول العقدية والفكرية والتشريعية للإسلام من خلال مجموعة مختارة من المقررات الشرعية والفكرية في القرآن الكريم، والتوحيد، والتفسير، والحديث، والفقه، والثقافة الإسلامية.
ب - الإعداد اللغوي والتذوقي، فاللغة وسيلة الإعلامي، بل هي وعاء الفكر والثقافة، ولذلك لا بد له من أن يدرس بعض المقررات في اللغة العربية نحواً وصرفياً وفقهاً، وأن يسعى إلى التمكّن في فنون القول، والبيان والأسلوب، والتعبير، والتذوق الأدبي.
ج - الإعداد التخصصي والمهني، وهذا الإعداد لا بد أن يتكامل فيه الجانب النظري والجانب العملي التطبيقي حتى لا تصبح دراسة الإعلام دراسة نظرية بحتة. ولا بد من اكتساب الطالب للمهارات العملية والمهنية المطلوبة منه في واقع الممارسات الميدانية.
د - الإعداد الثقافي العام، وهذا يتطلب الإلمام بالواقع الذي يعيش فيه، من حيث قضاياه ومشكلاته، وأحداثه، وتياراته، كما يتطلب الإلمام ببعض المعارف والعلوم المُعنية له على فهم هذا الواقع وتحليله، وهي علوم وثيقة الصلة بالإعلام كعلم النفس والاجتماع، والعلوم السياسية والاقتصادية، واللغة الأجنبية.
ولا بد من التأكد هنا على أن من مستلزمات هذا الإعداد الصارم للإعلاميين الإسلاميين، أن يخضع الطلاب الذين يقبلون في أقسام الإعلام لشروطٍ موزونة سواء في المجال العلمي أو الأخلاقي. ولا بدّ أن يتوافر فيهم الحدّ الأدنى من الموهبة، والاستعداد النفسي. كذلك لا بد من التأكيد على أن يتوافر لهؤلاء الطلاب في المحيط الأكاديمي جوّ من العلاقة الحميمة بينهم وبين أساتذتهم، المبنية على الثقة والاحترام والتهذيب التربوي والتوجيه الأخلاقي عبر القدوة الصالحة التي يجدها الطلاب في أساتذتهم وموجهيهم. ويعد الجانب التربوي والأخلاقي ذا أهمية بالغة في مجال إعداد الإعلامي الإسلامي نظراً للصعوبات الجمّة والتحديات العديدة والمغريات المتنوعة التي تصادف الإعلامي الإسلامي في حياته العملية.
2-ميدان التأصيل والتنظير العلمي:
ما يزال الاهتمام بتأصيل قواعد الإعلام وأصوله وممارساته من وجهة النظر الإسلامية، محدوداً ومتناثراً. والمطلوب أن يتصاعد الاهتمام العلمي بالإعلام الإسلامي تأصيلاً وتنظيراً، وأن يركز على النوعية. وينطلقُ هذا الاهتمام من خلال إنشاء ودعم معاهد ومراكز البحوث الإعلامية، التي تهتم بالإعلام الإسلامي، واستقطاب الباحثين والدارسين الذين يتميزون بالإخلاص والوعي الإسلامي، والخلفيَّة الشرعية، والاستيعاب العلمي للتخصص الإعلامي، إلى جانب تمتعهم بالمنهجية في التفكير، والتمكن من أساليب البحث العلمي ووسائله.