فهرس الكتاب

الصفحة 5396 من 27364

ويقول الإمام ابن تيمية:"يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين؛ بل لا قيام للدين ولا للدنيا إلا بها ... فالواجب اتخاذ الإمارة ديناً وقربة يتقرب بها إلى الله, فإن التقرب إليه فيها بطاعته وطاعة رسوله من أفضل القربات" [مجموع الفتاوى 28/390] .

القاعدة الثالثة: انتقال الولايات إلى غير الأمناء لا يسلبها الشرعية, وذلك أن (الشرعية) صفة ملازمة لتلك الولايات, فالقضاء مثلاً هو ولاية شرعية جليلة, فإذا كان قد تحول في بعض البلدان الإسلامية إلى قضاء قانوني صرف، وتولاها علماء القانون دون أهل الشريعة, فهذا الوضع لا يغير من أهمية القضاء وشرعيته شيئاً.

وواجب على المسلم الذي يتولى هذا المنصب أن يعدل فيه ويحكم وفق الشرع المطهر, ولا يجوز له أن يتخلى عن هذا المنصب إذا كان باستطاعته أن يحكم بالتنزيل .

القاعدة الرابعة: أن العلماء مسؤولون عن أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -, مسلمهم وكافرهم, وعن المجتمع المسلم بوجه خاص, سواء من حيث أفراده, أو من حيث مؤسساته.

وأساس هذه المسؤولية, هو وجوب التبليغ عليهم؛ فهم أمناء الرسل, ونوابهم في تبليغ الرسالات, (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ) [آل عمران:187] .

وفي الحديث: ( ليبلغ الشاهد الغائب) متفق عليه , وهذه مهمة شريفة وشاقة إلا على الربانيين منهم, قال سبحانه: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ) [آل عمران:79] .

يقول الإمام الطبري مبيناً حقيقة الرباني:"فالربانيون إذاً هم عماد الناس في الفقه والعلم وأمور الدين والدنيا, ولذلك قال مجاهد: وهم فوق الأحبار, لأن الأحبار هم العلماء، والرباني الجامع إلى العلم والفقه البصرَ بالسياسة والتدبير والقيام بأمور الرعية وما يصلحهم في دنياهم ودينهم"؛ (ويراجع تفسيره للآية ففيه كلام نفيس) .

كما أن الحكام والقائمين على مصالح الدنيا مسؤولون أيضاً، وفي البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راع ومسؤول عن رعيته والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته قال: وحسبت أن قد قال: والرجل راع في مال أبيه ومسؤول عن رعيته وكلكم راع ومسؤول عن رعيته".

القاعدة الخامسة: إن الأحكام الشرعية نوعان في الجملة:

الأول: الأحكام المفصلة , وهي التي جاء بها الشارع مفصلة ومبينة؛ كالتوحيد أو العقيدة, والعبادات, والفرائض, وأحكام الأسرة؛ كالنكاح والطلاق والنفقات والحضانة, وكالحدود والقصاص والديات.

الثاني: الأحكام المجملة, وهي التي جاء الشارع بها بطريقة الإجمال, كالمعاملات المالية, والتنظيمات الاجتماعية مثل السياسة والإدارة والتعليم ومثل العقوبات التعزيرية.

أما النوع الأول؛ فهو من الثوابت التي لا تتغير, سواء ثبت بالنص , أو بالإجماع, ولا فرق في ذلك بين ما هو قطعي, أو ظني, والخلاف في بعض جزئياتها ـ وهو موجود قطعاً ـ محدود, ولا ضير فيه ما لم يؤد إلى النزاع والشقاق .

وأما النوع الثاني؛ فهو مما يقبل التغير والتطور بحسب الأحوال والظروف المكانية والزمانية, ما لم يكن في ذلك تجاوز للقواعد والأصول المقررة فيها.

فالشركات ـ على سبيل المثال ـ هي نموذج لتغير الشكل والصورة عن نظام الشركات المعروف عند الفقهاء المتقدمين.

فإذا كانت متفقة مع أصول المعاملات الشرعية؛ فهي صحيحة وإن ظهرت باسم آخر, أو قالب آخر, أو جمعت بين عدد من الشركات المعروفة فقهياً .

القاعدة السادسة: إن النظام السياسي في الإسلام منه المجمل ومنه المفصل, وإن كان الأول هو الغالب.

ومن المفصل؛ الحقوق المشروعة لكل من الراعي والرعية, والواجبات على كل منهما.

ومنه أيضاً: موضوع الحكم, وهو ما يحكم به الحاكم سواء كان إماماً, أو قاضياً أو أميراً أو وزيراً أو غيرهم.

قال الحق تعالى: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ) [المائدة:49] , وقال: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) [الجاثية:18] ؛ فالوحي إذاً هو موضوع الحكم, ولا يتنافى مع ذلك وجود قوانين (أنظمة) إجرائية وتنظيمية, وإذا رتبت هذه الأحكام الشرعية في أبواب وموضوعات معينة فلا ضير في ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت