"وأما الإكراه بحق: فهو غير مانع من لزوم ما أكره عليه ، فلو أكره الحربي على الإسلام فأسلم ، صح إسلامه".
الوجه الخامس: قولهم (وقيم خاصة بشعب معين آثرها واختارها فنحن لا نكرهه على تركها ، ذلك أن ديننا علمنا أن لا إكراه في الدين ) ، وقولهم (وتبنّي الدولة للدين الإسلامي ليس معناه التدخل في خصوصيات الأقليات ) ، لا يصح أيضاً:
وذلك أن الكفار الذين يقرون على دينهم في بلاد الإسلام يلزمون بأحكام (أهل الذمة) وهي أحكام معروفة في كتب الفقه وأجمع عليها الصحابة ومن بعدهم من أهل العلم في الجملة ومن أحكام أهل الذمة التدخل في خصوصيات الأقليات ، والإجبار على ترك بعض القيم ، فمن الشروط العمرية المشهورة عليهم: (ولا نبيع الخمور ، وأن نجز مقادم رءوسنا ، وأن نلزم زينا حيثما كان ، وأن نشد الزنانير على أوساطنا ، وأن لا نظهر الصليب على كنائسنا ، ولا نظهر صليبا ، ولا كتبا من كتب ديننا في شيء من طرق المسلمين ولا أسواقهم ، ولا نضرب بنواقيسنا في كنائسنا إلا ضربا خفيفا ، ولا نرفع أصواتنا مع موتانا ، ولا نظهر النيران معهم في شيء من طرق المسلمين) وغيرها .
( أنظر كتاب التنكيل للفهد)
سئل فضيلة الشيخ عبدالعزيز بن باز س: مذكور في القرآن الكريم: (لا إكراه في الدين قد تبيَّن الرشد من الغي) ، فما معنى هذا ؟
ج: قد ذكر أهل العلم رحمهم الله في تفسير هذه الآية ما معناه: أن هذه الآية خبر معناه: النهي، أي: لا تُكرهوا على الدين الإسلامي من لم يُرد الدخول فيه، فإنه قد تبين الرشد، وهو دين صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأتباعهم بإحسان، وهو توحيد الله بعبادته وطاعة أوامره وترك نواهيه (من الغي) ، وهو: دين أبي جهل وأشباهه من المشركين الذين يعبدون غير الله من الأصنام والأولياء والملائكة والأنبياء وغيرهم، وكان هذا قبل أن يشرع الله سبحانه الجهاد بالسيف لجميع المشركين إلا من بذل الجزية من أهل الكتاب والمجوس، وعلى هذا تكون هذه الآية خاصة لأهل الكتاب والمجوس إذا بذلوا الجزية والتزموا الصَغار فإنهم لا يُكرهون على الإسلام؛ لهذه الآية الكريمة، ولقوله سبحانه في سورة التوبة: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرَّم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يُعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) ، فرفع سبحانه عن أهل الكتاب القتال إذا أعطوا الجزية والتزموا الصَغار.
وثبت في الأحاديث الصحيحة عن صلى الله عليه وسلم أنه أخذ الجزية من مجوس هجر، أما من سوى أهل الكتاب والمجوس من الكفرة والمشركين والملاحدة فإن الواجب مع القدرة دعوتهم إلى الإسلام فإن أجابوا فالحمد لله، وإن لم يجيبوا وجب جهادهم، حتى يدخلوا في الإسلام، ولا تُقبل منهم الجزية؛ لأن الرسو صلى الله عليه وسلم لم يطلبها من كفار العرب، ولم يقبلها منهم، ولأن أصحابه رضي الله عنهم لما جاهدوا الكفار بعد وفات صلى الله عليه وسلم لم يقبلوا الجزية إلا من أهل الكتاب والمجوس، ومن الأدلة على ذلك قوله سبحانه: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم) ، فلم يخيرهم سبحانه بين الإسلام وبين البقاء على دينهم، ولم يطالبهم بجزية، بل أمر بقتالهم، حتى يتوبوا من الشرك ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فدل ذلك على أنه لا يُقبل من جميع المشركين ما عدا أهل الكتاب والمجوس إلا الإسلام، وهذا من القدرة، والآيات في هذا المعنى كثيرة.
وقد صح عن رسول ا صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة تدل على هذا المعنى منها: قول صلى الله عليه وسلم:"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله عز وجل"متفق على صحته، فلم يخيرهم صلى الله عليه وسلم بين الإسلام وبين البقاء على دينهم الباطل، ولم يطلب منهم الجزية.