يقول دانيال بورستين في كتابه (تاريخ الأمريكيين) : (إن أمركة الأرض جارية، فأنماط الاستهلاك والأزياء والمخططات الأيدلوجية المرسومة في الولايات المتحدة الأمريكية تنشر في كل مكان، وهي تحظى بمجهود إعلاني لانظير له، والفوارق الثقافية التي تشكل ثروة الإنسانية هي في طريق الزوال، بمقدار ما سحقها دولاب الزي الواحد الضاغط، إن الثقافة الأمريكية إذ استفادت من التفوق المادي، إنما أفسدت الأرض، فهناك حيث تفكك نفسها تفكك البنى الاجتماعية التقليدية، وتبيد العادات والفولكلور المحلي، وبلا كلل تنشر الامتثالية فوق العالم، امتثالية(صنع أمريكا) ترمي إلى تحويل كل البشر إلى أمريكيين صغار بليدين).
عجبا والله، كيف ظن لاعبو السياسة الأمريكية، الحالمون بإمبراطوريتها التي تريد استعباد العالم، أن كل العالم يمكن خداعه كل الوقت، وأن الجميع ستنطلي عليهم هذه الخدعة المكشوفة، بالاستعباد التام، واحتكار التسلط على العالم، والتوتاليتارية المطلقة عليه، باسم الحرية نفسها، لكن حقا، إن أكثر المخدوعين هم من داخل أمريكا نفسها، الذين لم يتوصلوا بعد إلى اكتشاف، أن زاعمة الحرية والديمقراطية، مصابة بجنون استبدادي عالمي.
وهو جنون منقطع النظير في التاريخ، فهي التي تفرض، وتأمر، وتنهى، وتقرر من غير أن تشاور، وتستملك، بلا اعتبار لأحد، وتفرض إرادتها على العالم، بشتى الطرق فتارة تهدد بالحرب، وتارة بالحصار الخانق، وتارة بحرب اقتصادية، وتارة بالعزل، وتارة بإثارة الحروب الإقليمية بإشعال نار الفتن، وتارة بإحداث الانقلابات، وتارة وتارة...
وعجبا أن بلدًا ـ كما قال ميشال بوغنون في كتابه أمريكا التوتاليتارية ص 284 ـ: (يعيش في السكان الأكثر مرضا في العالم، بالأرقام المطلقة، وبالنسب المئوية، ويعيش 35 مليون عائلة تحت عتبة البؤس المدقع، ولا يحق إلا للأغنياء تلقي تربية سليمة، وحيث أبناء السبيل ليس لهم حد أدنى للأجر، ولا عناية طبية، وتقاعد مريح، وحيث من المفضل عندما تتنزه بالشارع عدم الابتعاد عن الشوارع الكبرى، خوفا من أن تقتل لأجل دولار، هذا البلد لا يحق له الزعم بتقديم نظامه كأنموذج وحيد) .
وأزيد عليه بأنه البلد الأكثر رصيدا في قتل الأبرياء بأسلحة الدمار الشامل، والأكثر استعمالا للإرهاب والعنف في السياسة الخارجية، والأكثر نشرا للدعارة والعري والفواحش والشذوذ، والأكثر في نسبة الجريمة، والأكثر في النفاق السياسي، وازدواج المعايير في السياسة الخارجية، والأكثر في كل بلية ورزية، ومع ذلك يصر على إرهاب العالم، وإجباره على العبودية لنظامه العالمي الشمولي.
هذا وقد بات العالم الإسلامي في حنين إلى نسائم الحرية، وغدا في شوق إلى نغماتها، فهو يتململ ضجرا من تسلط الاستبداد، ويتطلع توقا إلى شمس إنطلاقته الكبرى، محطما قيود الاستعباد، وقد ضاقت شعوبه ذرعا بالهيمنة الأمريكية ومن بردفها، بئس الردف المردوف، المغلفة بالزيف والأكاذيب والخداع البغيض المكشوف.
وقد بدأ يتطاير من الإسلام الشرر، ويدق ناقوس الخطر، ويرى خلل رماده، وميض نار من سقر، ويوشك أن تهيج فتضطرم، ثم تعلو فتقتحم، فتبرق فيها رايات الحق الوضاء، وتضيء سيوف العدل المضاء، فيملأ مجده الأرض والسماء.