فهرس الكتاب
بماذا حكم الله على هذا المجتمع؟ إن الله تعالى حكم على هذه البيئة وعلى هذه المجتمعات والتصورات بأنها كفر وجاهلية، وعد تلك الأمور جميعها - التي يحتج العلمانيون اليوم بها على إسلامهم - صفراً في ميزان الإسلام، وكفراً بالله ورسوله.
ولذلك نشبت المعركة الطويلة بينهم وبين رسول ا صلى الله عليه وسلم ، واشتد النزاع، معركة شرسة ونزاع حاد، حتى أن السيف كان الحكم الأخير.
والشيء المثير أيضاً، أن موضوع هذه المعركة العنيفة الطويلة لم يكن سوى كلمة واحدة"لا إله إلا الله"كلمة يصر عليها رسول ا صلى الله عليه وسلم ، إلى أقصى حدود الإصرار، وترفضها الجاهلية إلى أبعد مدى للإنكار والرفض.
لماذا؟… لأنه منذ اللحظة الأولى حين دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم ، إلى شهادة أن"لا إله إلا الله"كان الجواب الفوري… {أجعل الآلهة إلهاً واحدا إن هذا لشيء عجاب} [ص: 5] .
فالقضية واضحة في أذهانه من أن الالتزام بهذه الكلمة معناه الرفض الجازم والتخلي الكامل عن كل ما عدا الله من معبوداتهم وطواغيتهم المختلفة، طاغوت الأوثان وطاغوت الزعامة وطاغوت القبيلة وطاغوت الكهانة وطاغوت التقليد... الخ، والاستسلام الكامل لله ورد الأمر كله - جليله وحقيره وكبيره وصغيره- إلى الله تعالى وحده لا شريك له.
العلمانية نظام طاغوتي جاهلي كافر
وانطلاقاً من هذا المفهوم - الذي يعتبر في حقيقة الأمر من المعلوم من الدين بالضرورة عند أهل السنة والجماعة- نستطيع أن نرى حكم الإسلام في العلمانية بسهولة ووضوح. ونستطيع أن نصل بالقضية إلى المستوى المطلوب من الحسم والوضوح في نفوس أهل السنة اللازمين لفضح العلمانية ومواجهتها.
إن العلمانية باختصار"نظام طاغوتي جاهلي كافر"يتنافى ويتعارض تماماً مع شهادة"لا إله إلا الله"من ناحيتين أساسيتين متلازمتين:
الأولى: من ناحية كونها - أي العلمانية - حكما بغير ما أنزل الله.
الثانية: من ناحية كونها شركاً في عبادة الله.
إن العلمانية تعني - بداهة- الحكم بغير ما أنزل الله وتحكيم غير شريعة الله وقبول الحكم والتشريع والطاعة والاتباع من طواغيت من دون الله. فهذا معنى قيام الحياة على غير الدين أو بعبارة أخرى فصل الدين عن الدولة، أو فصل الدين عن السياسة، ومن ثم فهي- بالبديهة أيضا- نظام جاهلي لا مكان لمعتقده ولا لنظامه ولا لشرائعه في دائرة الإسلام. بل هو نظام كافر بنص القرآن الكريم {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [المائدة: 44] .
لماذا التردد في الحكم على الأنظمة العلمانية بالكفر؟
إذا كان الأمر كذلك، فهل يبقى بعد هذا أي مجال للشك أو التردد في حسم هذه القضية في نفوس أهل السنة تجاه العلمانية؟
الحق أنه لا مجال لشيء من ذلك، ولكن الغياب المذهل لحقائق الإسلام من العقول والغبش الكثيف الذي أنتجته الأفكار المنحرفة، هما اللذان يجعلان كثيراً من الناس يثيرون شبهات متهافتة لم تكن لتستحق أدنى نظر لولا هذا الواقع المؤلم الذي يعتبر من أشد عوائق الانطلاقة الكبرى المرتقبة لأهل السنة والجماعة بمشيئة الله.
فمن هذه الشبهات، استصعاب بعض الناس إطلاق لفظ الكفر أو الجاهلية على من أطلقها الله تعالى عليه من الأنظمة والأوضاع والأفراد، وبذريعة أن هذه الأنظمة - ولا سيما العلمانية الديمقراطية- لا تنكر وجود الله، وبذريعة أن هذه الأنظمة العلمانية الديمقراطية لا تمانع في إقامة بعض شعائر التعبد، وبحجة أن بعض قيادات الأنظمة العلمانية الديمقراطية يتلفظون بالشهادة ويقيمون الشعائر من صلاة وصيام أو حج وصدقة، ويظهرون احترامهم في المناسبات العامة لمن يسمون ب (رجال الدين) !! والمؤسسات الدينية.
وفي ظل هذه الشبهات المتهافتة المردودة، يستصعب بعض الناس، ومنهم - للأسف الشديد- بعض من يرفع راية الدعوة الإسلامية اليوم، القول بأن الأنظمة العلمانية الديمقراطية أنظمة جاهلية كافرة وأن المؤمنين بها المتبعين لها جاهليون كافرون.
ومن الواضح جدا أن الذين يلوكون هذه الشبهات، لا يعرفون معنى"لا إله إلا الله"، ولا مدلول"الإسلام". وإن جاز هذا في حق البعض على فرض حسن الظن بهم، فهو لا يجوز في حق كثير من المثقفين المطلعين على حقائق الأمور، وبالذات بعض من يرفعون راية الدعوة الإسلامية اليوم ويتعللون بهذه العلل الواهية.
ولا نملك إلا أن نذكر هؤلاء بأن تاريخ الدعوة الإسلامية وصراع أهل السنة والجماعة المرير عبر القرون، بل والقرآن الكريم كله من أوله إلى آخره ومثله السنة المطهرة لتقطع الطريق على هذه الشبهة وقائليها.
وهل تحمل الرسو صلى الله عليه وسلم ، وأصحابه العنت والمشقة والحرب والجهاد ثلاثاً وعشرين متوالية، وهل نزل القرآن موجهاً وآمراً وناهياً طوال هذه السنين من أن أجل أن يقول الجاهلون باللسان فقط..."لا إله إلا الله"، ويقيموا الشعائر التي يمن دعاة العلمانية على الله أنهم يسمحون بها اليوم.