هذا بالإضافة إلى - ما أشرنا إليه سابقاً - من أن العلمانية لم تتمكن من الاستمرار في المادية لأن العقل يؤكد وجود حقائق كونية ليست مادية يقوم عليها الوجود والعلم .
فالمادية سمة أساسية من سمات العلمانية ولكنها لا تُعبّر عنها تماماً وإن كان بروزها يكاد يجعل العلمانية تُختَزَل غالباً في هذه السمة .
2 -أبرز الخصائص:
لقد استقر رأيي - ردحاً من الزمن - على أن العلمانية هي:""أنسنة الإلهي ، وتأليه الإنساني""ويتميز هذا الحد بأنه يجمع خصائص كثيرة للعلمانية في شطريه:
فالشطر الأول"أنسنة الإلهي"يحتوي على مقولة العلمانية في رفض المصدر الإلهي للأديان أو الوحي ، واعتبارها ظواهر اجتماعية وإنسانية تاريخية برزت ضمن ظروف ومعطيات معينة كما أراد فرويد وغيره . ويحتوي هذا الشطر أيضاً: على إلغاء أو تمييع كل المقدَّسات والمعجزات ، وإعادة تفسيرها تفسيراً إنسانياً اجتماعياً أو اقتصاديا أو مادياً ، أو نفسانياً واعتبارها مجرد خرافات وأساطير عفا عليها الزمن .
ويحتوي هذا الشطر أيضاً: على أنسنة الطبيعة والكون بمعنى تجريده من أية دلالات روحية أو كونية أو رمزية ، واعتبارها مواد للإنسان عليه أن يستثمرها في منفعته وأنانيته بشكل مطلق وإمبريالي دون أي اعتبار آخر ، مع رفض الدلالات الغيبية ، والإشارات الربانية التي تؤكد عليها الأديان جميعاً كمعالم للهداية ، باعتبار الطبيعة - في رؤيتها - كتاباً كونياً منظوراً إلى جانب الوحي المكتوب .
ويحتوي هذا الشطر أيضاً: على الجهود التي تبذلها العلمانية لاستثمار الإلهي وتحويله إلى فكرانية ( ) بمعنى:""تحويل الوحي إلى إيديولوجية"" ( ) .""تحويل الوحي ذاته إلى علم إنساني"" ( ) وذلك لتحقيق أغراض الإنسان وأطماعه ، وقد تجلى ذلك واضحاً في الفلسفة الفيورباخية ، وتبنى ذلك حسن حنفي من العلمانيين العرب - كما سنرى - ومعنى ذلك""إلغاء الغيب كمصدر للمعرفة ، وقصرها على عالم الشهادة"" ( ) ويتم ذلك بالعقل والتجريب بعيداً عن الوحي .
وعلى مستوى العلاقة بين العلمانية العربية والنص القرآني فإنه يتجلى أيضاً دور الشطر الأول من التعريف حيث نجد نزعة الأنسنة سائدة لدى هؤلاء فكتب أركون كتابه"نزعة الأنسنة"وحاول نصر حامد أبو زيد وغيره استعادة القضية الكلامية القديمة التي ثار حولها جدل طويل ، وهي مسألة خلق القرآن في شكلها الاعتزالي ، وذلك من أجل تكريس إنسانية الوحي ومنتوجيته البشرية ، وسنفصل ذلك فيما بعد .
وأما الشطر الثاني من التعريف"تأليه الإنساني"فيتولى تغطية جوانب كثيرة أيضاً من خصائص العلمانية أهمها: النزعة الغرورية التي كرستها فلسفة نيتشة وداروين عبر"الإنسان الأعلى"و"البقاء للأقوى"والتي مورست عملياً من خلال حكام النازية والفاشية كما أشرنا سابقاً.
ويتضمن هذا الشطر أيضاً: التركيز العلماني الدائم على مركزية الإنسان ، واستقلالية العقل ، وهذه الأخيرة تشكل بُعداً أساسياً في العلمنة حتى عُرِّفت بأنها لا سلطان على العقل إلا للعقل في تفسير الوجود . هذا الجزء يتكفل بالإشارة إلى هذا البعد ، حيث إن تأليه الإنسان يعني أن التفكير الإنساني مستقل عن الوحي ، بل يرقى إلى مرتبة الوحي ، ويحظى بنصيب من الألوهية . لقد بلغ الأمر بالفرنسيين بعد الثورة أن نصبوا تمثالاً وعبدوه سموه"إلاهة العقل" ( ) .
ويتضمن هذا الشطر أيضا: الإشارة إلى تأليه القيم الجديدة للعلمانية المتمثلة في حقوق الإنسان ، وترسيخ الفردية المطلقة ، والديمقراطية ، وحرية المرأة المطلقة ، ونسبية الأخلاق ، والعِلمانية - بالكسر - ، وكل ذلك ما هو إلا إحلال لمنظومة جديدة مؤلَّهة من القيم الإنسانية ، وإضفاء حالة من القداسة عليها ، بدلاً من الدستور الإلهي القائم على الوحي .
ويتضمن هذا الشطر أيضا: الإشارة إلى الجانب العبثي في العلمانية وهو بعد جوهري فيها ، ذلك لأن تأليه الإنساني يعني أن الإنسان الجسد هو المُؤلَّه ، لأن العلمانية لا تعترف إلا بالجسد ، وحاجات هذا الجسد الجنسانية والغرائزية تنال حظاً وافراً من الإجلال والقداسة - كما رأينا في الفصل الأول -إن تأليه الإنساني يعني تقديس المُدَنَّس والارتفاع به إلى مستوى الألوهية.
أما البعد المادي في العلمانية فإن شطري التعريف يسهمان في تغطيته ، إذ إن أنسنة الإلهي تعني تحويل ما ليس بمادة إلى مادة ، أو بعبارة أخرى تدنيس المقدس والتعامل معه على هذا الأساس الدَّنِس . ثم يأتي الشطر الثاني ليضفي على المادة قداسة جديدة"تقديس المدنس"وتصبح المادة بهذا الشكل حالَّة محل الألوهية ، ويغدو كل ما سواها ضربٌ من الأساطير والأوهام . وهو ما سعت الفيورباخية والماركسية إلى تكريسه .
3 -العلمانية هي الدنيوية:
هذا التعريف الذي اقترحته وتحدثت عنه للتو ، وقلت إن رأيي استقر عليه ردحاً من الزمن لم يدم هذا له هذا الاستقرار ، مع أن خصائصه - كما أشرت - موزعة في التعريفات التي عرضناها سابقاً لكثير من الباحثين .