فهرس الكتاب

الصفحة 5646 من 27364

الشستراوسية إذن رغم أنها تدعي المطلق إلا أنها انقلاب عليه وليست إلا توزيعا آخر لنفس اللحن الشيطاني الذي بدأه نيتشة الشهير بقوله أن"الله قد مات" (تعالى الله علوا كبيرا.. أستغفرك اللهم) .. والذي يعنى أن كل الجوانب الروحية والأخلاقية في حياة الإنسان أصبحت لا ضرورة لها أو أنها مجرد شأن خاص لا علاقة له بحياة الفرد في المجتمع.ومن ثم وصل شستراوس إلى أحد بنود فلسفته عن فكرة إنكار النسبية الأخلاقية، مستندا إلى أن الحقيقة الفلسفية لا تقبل التسويات، وهي عندما تصل إلي السياسة من خلال فلسفتها فإنها تهبها مضامينها وقوامها الأخلاقي الذي تحتضنه النخبة وتسعى لتطبيقه من دون تنازلات أو مفاوضات أو تسويات. ويعني ذلك أن الليبرالية التي تقول بالنسبية والتعددية، هي فلسفة غير أخلاقية لأنها تجزئ الحقيقة أو تعددها، وهي عندما تصل للسياسة تتحول إلى براغماتية منحطة. وقد كانت هذه الفلسفة المنحطة محطة في الطريق المزيف إلى مفاهيم مغلوطة مثل"نهاية الأيديولوجية"و"نهاية التاريخ"والتي تعنى، في واقع الأمر، نهاية الفكر والتنظير بل والمنهج.

هذا هو الغرب إذن..

هذا هو العدو الذي نواجهه..

هذا هو العدو الذي سيطر على حكامنا وجيوشنا وبوليسنا وصحافتنا وتلفازنا ومفكرينا.. بل وشيوخنا أيضا..

هذا هو العدو فهل نستسلم أم نجاهد؟!

أسأل نفسي و أسألكم يا ناس..

أسأل فيسقط الغطاء عن الجرح العاري..

ويتأخر الجواب وتتلعثم الألسنة فأدرك كم كان الحصار من الحكام والعسكر والأمن والمثقفين ضاريا ومؤثرا وكم نال من الأمة..

سقط الغطاء..

سقط نفس سقوطه يوم رحت قدرا - لا أقول صدفة- أستمع إلى خطاب أبي لهب، وكان يومها يلمز ياسر عرفات - ولا أملك إلا الدعاء له بالرحمة ( لياسر عرفات وليس لأبي لهب) ، فالرجل و إن بدا كثيرا على تخوم الخيانة وحتى الفسوق أفضل ممن بعده وكان أفضل ممن حوله - وكان أبو لهب يلوم ياسر عرفات، لماذا؟.. لأن ياسر عرفات لم يوافق على التنازل عن القدس لإسرائيل.. والأمر الذي جعل المشكلة غير قابلة للحل.. كما قال أبو لهب لأمريكا.. هو أنه لا يوجد زعيم عربي يجرؤ على المجاهرة أمام شعبه بموافقته على التنازل عن القدس.. وكان مفهوم هذا الكلام الخسيس الخائن.. أن أبا لهب كان يريد من ياسر عرفات أن يبادر هو بتحمل المسئولية وحده، فيتنازل عن القدس.. دون أن يورط الطواغيت العرب في المجاهرة بهذه الفاحشة .. وهي فاحشة لا أظن أحدا يرتكبها إلا من خرج من الملة.

لم يقل أبو لهب لأولياء نعمته في واشنطن وتل أبيب أنه لا يستطيع التنازل عن القدس من أجل عقيدته.. ودينه.. ولا حتى من أجل عروبته.. ولا حتى من أجل الأمن القومي لدولته ومجالها الحيوي ( تقول إسرائيل أن مجالها الحيوي يمتد من جاكرتا إلى طنجة.. لكن الأمن القومي لدولنا لا يتعدى قصر الحاكم..) .. لم يقل ذلك.. وإنما قال أنه لا يستطيع مواجهة شعبه .. خوفا لا حياء..

كان التصريح فجا وخسيسا.. وذكرني بجمل هابطة في بعض أفلامنا ومسلسلاتنا التلفازية.. عندما يحاول الداعر غواية فتاة فتتمنع.. لا من أجل تقوى لله.. ولا خوفا من النار.. ولا رغبة في الجنة.. ولا حرصا على الخلق القويم.. ولا حتى لدواعي الكرامة وعزة النفس.. و إنما لأنها تخشى أن يراها الناس!!..

هذه الفتاة زانية و إن لم تزن..

أما أبو لهب فهو أشد سوءا و أكثر خسة..

لم يقل لنا أبو لهب.. ولم يقل لنا أقرانه الطواغيت إلى أي مدى ينبغي علينا الانسحاب والتراجع والتنازل.

وهل يرضي الصليبيون منا منزلة دون الكفر كله..

هل يرضى عنا اليهود والنصارى إلا أن نتبع ملتهم..

فإن كان القرآن يخبرنا ذلك .. فلماذا يدفعنا أبولهب و أبو جهل خطا وراء خط.. وخندقا خلف خندق.. وانسحابا بعد انسحاب..

أإلى الكفر يدفعوننا..

و أنت يا أمة تستجيبين ولا تقاومين..

ما أقوله ينطبق على الأمة انطباقه على الأفراد..

فلو أن نشالا أو قرصانا أو قاطع طريق خطف حقيبتك من يدك، فهل تسكت على ذلك وتستسلم لما حدث حتى لو كانت الحقيبة فارغة؟.. وماذا لو لم تكن فارغة، بل كانت تحتوى على كَدِّ عمرك وكَبَدِ أيامك..

فهل تسكت؟..

ولو أنه لم يكتف بذلك، فخطف - مع الحقيبة التي تحتوي على الكَدِّ والكَبَدِ -امرأتك أيضا..

ثم لم يكتف بذلك فخطف أبناءك .. ثم أباك و أمك..

فهل تسكت..

هل تستطيع أن تسكت؟..

ولو أنه بعد أن فعل ذلك استولى على بيتك وطردك منه بعد أن حول زوجتك إلى محظية و أبناءك إلى عبيد و قتل أبويك..

ولو أنه راح بعد ذلك يعتبر كل محاولة للمقاومة منك إرهابا، وكل محاولة للبحث عن أكثر الأسلحة بدائية كي تواجه بها أعتى الأسلحة تطورا، جرائم تهدد السلم العالمي..

ولو أنه راح بعد ذلك يبيع ممتلكاتك بأبخس الأسعار كي يسدد بها تكاليف عدوانه عليك وخطفه حقيبتك وانتهاك زوجتك واسترقاق أبنائك وقتل أبويك وغصب بيتك، على اعتبار أن ذلك كله كان خدمة كبرى أداها لك وله أن يتقاضى مقابلها بأعلى سعر، بل و أن يغالط في الحساب كما يشاء.

إلا أن الأمر لا يتوقف عند هذا..

فهل تسكت؟!..

هل تستطيع أن تسكت؟..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت