فهرس الكتاب
4 ـ اضطرار كثير من أصحاب ذلك التصور إلى عدم الإفصاح الصريح عن تصوراتهم، والتخفي وراء بعض العبارات الإسلامية، بل إظهار أنفسهم بأنهم في الصف المعادي للعلمانية، وأنهم من المؤيدين للمقولة المشهورة: «إن الإسلام دين ودولة» ، والاكتفاء في ترويج مذاهبهم بالدس في العبارات، وإن كانت حقيقة مواقفهم لا تخفى على الناقد البصير.
وإذا كان الاتجاه العلماني ـ الذي يقوم على فصل الدنيا عن الدين، ومنع قيومية الدين على الحياة ـ قد هُزم في مجال الأفكار والتصورات وبناء النظريات؛ فإن هذا لم يمنع أن يكون هو المتغلب حقيقة على الواقع السياسي في الأغلب الأعم من ديار المسلمين، فقد ألغيت الخلافة منذ أكثر من ثلاثة أرباع قرن، وتفككت أوصال دولها، وصارت تركيا ـ مركز دولة الخلافة ـ دولة قومية علمانية، تنص على ذلك في دستورها، وتحمي علمانيتها بالحديد والنار.
وكذلك فإن الكيانات السياسية التي نشأت على أنقاض الخلافة المهدَّمة؛ هي أيضاً من حيث الواقع والممارسة دول علمانية، وإنْ نصَّ بعضها في دستور البلاد على بعض الألفاظ التي قد توهم خلاف ذلك؛ مثل «مبادئ الشريعة الإسلامية مصدر رئيس للتشريع» أو «المصدر الرئيس» أو نحو من ذلك، فإنك لا تكاد تجد غير تلك العبارة في أي من مواد الدستور مما يثبت صلته ونسبه للإسلام، بل تجد فيه ما ينص على أن الدولة ديمقراطية، أو قومية، أو اشتراكية، ونحو ذلك من تلك الأمور.
وإذ توقفت المعركة الفكرية عند حد هزيمة الفكر العلماني في نفيه لعلاقة الإسلام بالحكم والسياسة، وقبول غالبية هذا الاتجاه بتلك النتيجة ولو ظاهرياً على الأقل (وإن كان يحاول تطويقها والالتفاف عليها من خلال دروب ومسالك متعرجة) ؛ فإننا لسنا بحاجة في هذه الدراسة الموجزة للتدليل على فساد النظرية العلمانية في علاقة الدين بالسياسة [7] ، ويكفينا الحديث عن النظام السياسي الإسلامي نفسه، فنعرّفه، ونبيّن شكله وحدوده، وإدارته للدولة، وأهم خصائصه، ولا شك أن الحديث عن تفاصيل النظام السياسي الإسلامي؛ يحمل في طياته رداً بليغاً على أصحاب النظرية العلمانية في علاقة الإسلام بالحكم والسياسة.
منهج البحث:
النظام السياسي في الإسلام هو نظام أقامته الشريعة، وطبَّقه المسلمون في واقعهم، وقد جرى البحث على أن تتناول موضوعاته طبقاً للمصطلحات الإسلامية نفسها ولطريقة أهل العلم في عرضها في مصنفاتهم، وإذا لاحظنا غياب النظام الإسلامي الحقيقي لأعصر خلت من كثير من دول المسلمين، مما ترتب عليه غربة المصطلحات المستعملة في هذا الشأن؛ فقد يكون من الأوفق ـ مع التزامنا بالمنهج المتقدم ـ أن نقرِّب هذه المصطلحات بلغة العصر، كما نعقد بعض الموازنات بين ما عندنا من الحق وما عند غيرنا من الباطل لتقريب الصورة وتوضيحها؛ مما قد يترتب عليه استعمال بعض المصطلحات من تلك المنظومة السياسية المغايرة.
خطة البحث:
وقد جاء البحث في مقدمة وتمهيد وقسمين.
أما المقدمة: فهي التي بين أيدينا.
وأما التمهيد: فيشمل مبحثين: الأول في تعريف النظام السياسي الإسلامي، والثاني عن التنظيمات الإدارية في النظام السياسي الإسلامي.
وأما القسم الأول: فهو عن أحكام الخلافة وما يتعلق بها.
وأما القسم الثاني: فنتناول فيه بعض المسائل المتعلقة بإدارة الدولة.
وأما الخاتمة: فنتناول فيها مستقبل النظام السياسي الإسلامي في عالمنا المعاصر.
وهذا أوان الشروع في المقصود، نسأل الله من فضله التوفيق والسداد والعون على تحصيله.
[1] - أدب الدنيا والدين، للماوردي، (ص 115) .
[2] - هو الشيخ علي عبد الرازق، أحد علماء الأزهر الشريف، والقاضي الشرعي بمحكمة المنصورة، حيث كتب في ذلك الوقت كتاباً باسم (الإسلام وأصول الحكم) ، وقد طبع عام (1344هـ/1925م) .
[3] - وممن رد عليه الشيخ محمد رشيد رضا صاحب مجلة المنار، والشيخ محمد شاكر وكيل الأزهر، والأستاذ أمين الرافعي. وقد أفتى بردته كلٌّ من الشيخ محمد شاكر، والشيخ يوسف الدجوي، والشيخ محمد بخيت مفتي الديار المصرية، والشيخ محمد رشيد رضا، وقد ألَّف العلماء كتباً في الرد عليه، منهم الشيخ محمد الخضر حسين ـ الذي صار فيما بعد شيخاً للأزهر ـ، والشيخ محمد بخيت، والشيخ محمد الطاهر بن عاشور، ولم تنقطع الكتب في الرد عليه، انظر: الإسلام والخلافة في العصر الحديث، د/ محمد ضياء الدين الريس، (ص 135) ، تحطيم الصنم العلماني، محمد بن شاكر الشريف، (ص 14 ـ 15) .
[4] - حكم هيئة كبار العلماء، (ص 32) .
[5] - انظر: المرجع السابق، ( ص 40) .
[6] - كان الشيخ خالد محمد خالد ـ أحد خريجي الأزهر، والذي خلع الزي الأزهري ولبس «البدلة» ـ ناصر الشيخ علي عبد الرازق بكتابه (من هنا نبدأ) ، وقد طبع الكتاب عام 1950م، ثم تراجع بعد ربع قرن من الزمن مع اشتداد عود الصحوة الإسلامية، وأصدر كتاباً يُقرر فيه أن الإسلام دين ودولة.