فهرس الكتاب

الصفحة 5672 من 27364

وقبل ذلك كانت العلاقة بين الأمير فخر الدين الثاني 1572 - 1632 حاكم لبنان والبابا غريغواريوس الثالث عشر 1585 - 1605م متينة ، وقد فتح هذا الأمير أمام الطلبة اللبنانبيين باب الذهاب إلى روما للدراسة فيها ، ومنحهم أرضاً ومساكن ثم أنشأ لهم مدرسة خاصة عام 1584م أسماها المدرسة المارونية ، وتعاطف كثيراً مع الإرساليات الأوربية ، وبسط يد الحماية في بلاد الشام حتى صار الأوربيون يدعونه"حامي النصارى في الشرق".

ومن هؤلاء الطلبة"إبراهيم الحاقلاني 1605 - 1664م والمطران جرمانوس فرحات 1670 - 1732م ويوسف السمعاني 1687 - 1778 م وقد آلت السلطة بعد ذلك في لبنان إلى البطارقة والأساقفة المنتمين إلى الطوائف الدينية المتنوعة ، وكان هؤلاء الطلبة على حظ كبير من المعرفة والاطلاع على علوم الغرب ، وكانوا ثمرة الإرساليات الآتية من أوربا وفرنسا خصوصاً ثم من أمريكا ، ثم أصبحوا بعد ذلك في نظر القوميين والعلمانيين العرب أركان النهضة وطلائع التنوير ."

ولم يمض وقت طويل حتى انتشرت المطابع ، ونقلت البعثة التبشيرية الأمريكية مطبعتها من مالطا إلى بيروت . وهنا يجب أن لا يغيب عن بالنا الصلة الوثيقة الملاحظة بين العلمانية والتبشير من جهة ، وبين العلمانية والمسيحيين الذين حملوا لواء الدعوة إلى القومية فيما بعد من جهة ثانية .

لقد أنشأ بطرس البستاني 1819 - 1883 م المدرسة الوطنية في بيروت سنة 1863 م ثم أصبح النصف الثاني من القرن التاسع عشر مسرحاً للتنافس الشديد في إنشاء المدارس فكانت مدرسة عينطورة ومدرسة القديس يوسف ، والمدرسة الوطنية والمدرسة السورية الإنجيلية ومدارس الجمعية الأهلية كالمدرسة البطريركية ، ومدرسة الأقمار ، ومدرسة الحكمة ، ومدرسة كفتين التي تخرج منها فرح أنطون .

وكانت الجامعة الأمريكية البروتستانتية التي أُسست في بيروت سنة 1866م وتأيدت بمطبعة أحد المراكز الرئيسة في الشرق والتي كان هدفها الأساسي هو بعث الأفكار التنصيرية ، وإشاعة الثقافة الغربية في الوسط المسيحي أولاً ، والإسلامي ثانياً .

وكان الرهط الأول من العلمانيين قد تخرجوا منها ومن هؤلاء شبلي شميل ثم يعقوب صروف ، وفارس نمر ، ثم جرجي زيدان صاحب مجلة الهلال .

بيد أن المنافسة كانت شديدة بين الجامعة الأمريكية البروتستانتية والإرساليات الفرنسية الكاثوليكية التي تسعى لصيانة أبناء ملتهم الكاثوليك من الأضاليل البروتستانتية ، وقد انتشرت مدارس هؤلاء في بيروت وصيدا، وأسسوا الكلية الكاثوليكية على غرار الجامعة الأمريكية سنة 1875م وتبنت فرنسا هذا المشروع في إطار الصراع على النفوذ بينها وبين أمريكا في لبنان .

ولكن يبدو أن الطائفية الشديدة المنتشرة في بيروت ولبنان بشكل عام ، والتي تتميز بنوع من العنصرية المتحكمة ، والعدوانية المتجذرة لم تساعد الغرب الأمريكي أو الأوربي على إمداد رجالاته ورموزه الذين زرعهم في لبنان بالوسائل المرادة لتحصيل أغراضه في العلمنة ، والتبشير والسيطرة ، وكانت فتنة الستين الرهيبة في لبنان والتي وقعت سنة 1860 م تمخضت عن مجزرة رهيبة في صفوف اللبنانيين ، واستهدفت البعثات التبشيرية الكاثوليكية وخصوصاً اليسوعية التي كانت أكثر الطوائف نشاطاً في ممارسة التنصير .

كانت هذه المجزرة دافعاً قوياً للتلاميذ"المدللين"إلى الهجرة من لبنان إلى مصر ، وخلافاً لما يؤكده بعض الباحثين من أن هجرة هؤلاء المفكرين كانت لأسباب وعوامل سياسية واجتماعية وثقافية وبحثاً عن الحرية ، فإني لا أستبعد أن تكون هذه الهجرة نتيجة لمؤامرة دبرت، وخطة رسمت في الأروقة الغربية ، وأوعز بتنفيذها إلى هؤلاء المتغربين ، ومن ثم نقلوا نشاطهم من لبنان إلى مصر .

وكان من هؤلاء المهاجرين فرنسيس مراش بين عامي 1867 - 1873 م وخليل سعادة، ونجيب حداد بين عامي 1867 - 1899 م وشبلي شميل هاجر إلى الإسكندرية سنة 1886م وفرح أنطون هاجر سنة 1897 م واستقر في مصر أيضاً كل من يعقوب صروف ، ونقولا حداد، وفارس نمر .

وأما في مصر:

فقد كانت حملة نابليون التي بدأت سنة 1798 م 1213 هـ بداية الغزو الصليبي الحديث ، ولكنه هذه المرة يختلف عن الحملات الصليبية السابقة ، فقد جند معه العقول ، وكل ما وصلت إليه الحضارة الغربية من منجزات مادية وفكرية وثقافية لتسهم معه في تكريس هذا الغزو وتوطيد أركانه وكان لهذه الحملة أثران:

إيجابي: حيث قامت بدور الصاعق الكهربائي الذي يجعل النائم يصحو ، والمريض ينتفض وينشط وكان ذلك قد لفت أنظار المسلمين إلى واقعهم المتردي ، وانحطاطهم المتفاقم عن ركب الحضارة .

سلبي: حيث رافق هذه الحملة ملابسات ، وأعراض مرضية أخذت تتفشى وتنتشر في المجتمع المصري من أزياء وعادات وأخلاق ، بالإضافة إلى الفكر الوافد الذي زرعه نابليون في عقول بعض الفئات وبدأ ينمو حتى أينعت ثماره فيما بعد على يد سلامة موسى وأمثاله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت