فهرس الكتاب

الصفحة 5674 من 27364

-ثالثاً: مهما حاولت العلمانية والعلمانيون المصالحة مع الأديان ، فإن هذا يبدو بعيداً ، لأن العلمانية القائمة في أساسها على رفض المبادئ الدينية ، وعدم الاعتراف بها كأسس للالتزام الأخلاقي ، بل ورفض كل الماورائيات التي تقوم عليها الأديان ، وتدعو إلى إقامة الأخلاق والحياة الاجتماعية والسياسية على أسس وضعية نسبية وطبعية ، وهذا بحد ذاته بمثابة إعلان الحرب على الأديان ؛ لأن هذه تطرح نفسها على أنها الحقيقة المطلقة .

-رابعاً: نلاحظ أن العلمانية التي تقوم على محاربة احتكار الحقيقة ، وتندد بـ"ملاك الحقيقة المطلقة"تقع هي نفسها في هذا الاحتكار والتملك فهي كما تشير دائرة معارف الدين والأخلاق تطرح نفسها على أنها: دين سلبي إنكاري ، وهي كما أشارت دائرة المعارف الأمريكية ترى الخلاص الوحيد والحقيقة المطلقة في العلمانية .

سؤال:

يرفض العلمانيون العرب نعتهم بالملحدين، فهل للعلمانية جذور إلحادية ؟

العلمانية هي ترجمة لكلمة سكيولاريزم secula r ism الإنجليزية ، وقد استخدم مصطلح"سكيولار"لأول مرة مع نهاية حرب الثلاثين عاماً سنة 1648 م عند توقيع صلح"وستفاليا"وبداية ظهور الدولة القومية الحديثة ، وهو التاريخ الذي يعتمده كثير من المؤرخين بداية لمولد ظاهرة العلمانية في الغرب .

وكان معنى المصطلح في البداية محدود الدلالة ، ولا يتسم بأي نوع من أنواع الشمول أو الإبهام إذ تمت الإشارة إلى علمنة ممتلكات الكنيسة وحسب ، بمعنى نقلها إلى سلطات غير دينية ، أي إلى سلطة الدولة أو الدول التي لا تخضع لسلطة الكنيسة .

وفي فرنسا في القرن الثامن عشر أصبحت الكلمة تعني من وجهة نظر الكنيسة الكاثوليكية:""المصادرة غير الشرعية لممتلكات الكنيسة""أما من وجهة نظر المستنيرين فإن الكلمة تعني:""المصادرة الشرعية لممتلكات الكنيسة لصالح الدولة"".

ولكن المجال الدلالي للكلمة اتسع وبدأت الكلمة تتجه نحو مزيد من التركيب والإبهام على يد هوليوك 1817 - 1906م الذي يعتبر أول من صاغ المصطلح بمعناه المعاصر ، وجعله يتضمن أبعاداً سياسية واجتماعية وفلسفية ، وأراد هوليوك أن يُجنب المصطلح مصادمة الأديان فعرّف العلمانية بما يشير إلى الرغبة في الحياد فقال:""العلمانية: هي الإيمان بإمكانية إصلاح حال الإنسان من خلال الطرق المادية، دون التصدي لقضية الإيمان سواء بالقبول أو الرفض"."

ولكن مع ذلك إذا شئنا أن نربط العلمانية بفلسفة منظرها هوليوك فيمكن القول إن العلمانية قائمة على الشك أحياناً ، والإلحاد الصريح أحياناً أخرى ؛ لأن هوليوك كان ينفي عن نفسه تهمة الإلحاد ، ولكنه في نفس الوقت يعترف بعدم وجود أدلة كافية للإيمان بالله [عز وجل ] ، ويجهر أحياناً بأن الإله إنما هو"الحاضر المعيش".

ويرجع أول استخدام لكلمة علمانية عند هوليوك إلى شهر ديسمبر سنة 1846 م عندما أوردها في مقال نشره في مجلة"ذي ريزونور"أي"المجادل العقلاني"، والسبب أنه شعر مع بعض زملائه وأسلافه مثل"توماس بين"و"ريتشارد كارليل"و"روبرت تيلور"أن المسيحية لم تعد مقبولة لدى أكثر فئات المجتمع ، وقد مست الحاجة إلى استبدالها بمبدأ حديث فكان هو"العلمانية"وقد سماها أتباع روبرت أدين بـ"الدين العقلاني". وهنا نتذكر ما تحدثنا عنه في التمهيد مما سمي"دين العقل"أو"الدين الطبيعي".

أسس هوليوك في عام 1855 م"جمعية لندن العلمانية"وفي ديسمبر من نفس العام تحولت الحركة العلمانية إلى تيار واسع النطاق ، وتزايد انتشارها بين عامي 1853 - 1854 م ، مما دفع القس بردين جرانت إلى التصدي لها في كل أنحاء إنكلترة مفنداً ومجادلاً .

ولكن ازداد توزيع مجلة"الريزونور"العلمانية إلى خمسة آلاف نسخة ، وانتشرت الجمعيات العلمانية في جميع أنحاء بريطانيا ومن أبرزها"جمعية لستر العلمانية"و"جمعية بولتون العلمانية"وجمعيات أخرى في سائر أنحاء البلاد.

وكان لجهود تشارلس برادلاف 1833 - 1894 م دوراً كبيراً في ترسيخ المبادئ العلمانية الجديدة ، وإضفاء طابع الإلحاد عليها ، وذلك عندما استلم رئاسة جمعية لندن العلمانية سنة 1858 م بدلاً من هوليوك ، واشترك سنة 1860 م في تحرير مجلة"المصلح القومي"التي حلت محل سابقتها"الريزونور"وأسس الجمعية العلمانية القومية سنة 1866 م .

اندثرت مجلة"المصلح القومي"سنة 1881 م لتحل محلها مجلة"المفكر الحر"التي زادت من جرعتها الإلحادية ، فكانت لا تكف عن الاستهزاء بالأناجيل ، والسخرية من الذات الإلهية ، إلى درجة أنها طالبت بمحاكمة أصحاب الأناجيل الأربعة لأنهم يجدفون على الله [عز وجل ] فهم يقولون بأن الله [عز وجل ] ، ضاجع عذراء يهودية وأنجب منها طفلاً غير شرعي أسماه المسيح.

والخلاصة ؟

في الواقع إننا لا نعرض هنا خلاصة لأن الخلاصة كانت هي ما عبرت عنه دوائر المعارف والمعاجم ـ كما رأينا ـ ولكن يمكن اعتبار ما نذكره هنا على أنه تأكيد للخلاصة ، أو أنه خلاصة الخلاصة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت