فهرس الكتاب

الصفحة 5680 من 27364

لقد تركت هذه الدنيوية العلمانية أثرها حتى على الإسلاميين ، فأصبحنا نُبرز كثيراً عناية الإسلام بالحياة الدنيا ، ودعوته إلى عمارتها ، والاستمتاع بالطيبات منها ، ونتغاضى - مجاراة للعلمانيين - عن أن الإسلام في الأصل يدعو الناس إلى الآخرة عبر ممر الدنيا ، وهذا لا يعني تخريب الدنيا ، وإنما يعني التطلع إلى المستقبل الأبدي ، وليس إلى الحياة العاجلة ، وهذا ليس من شأنه أن يجعلنا نهمل عمارة الحياة الدنيا ، وإنما من شأنه أن يُهذِّب نفوسنا ويسموَ بها عن الأنانية ، ويطهرها من السخائم والعداوات والتنافس على المتاع الزائل والحطام الفاني .

وهنا يجدر بنا أن نتذكر قول أحد أقطاب الصوفية كتلخيص لموقف الإسلام من الحياة الدنيا"أن تكون الدنيا في يدك وليس في قلبك"وهذا بعكس العلمانية التي تريد أن تمزج الدنيوية بكل ذرة من ذرات الجسد الإنساني ، وتغرسها في صميم قلبه ، وتجعلها الملاذ الوحيد ، والمعشوق الوحيد ، والغاية النهائية للإنسان ، ولا يخفى ما في ذلك من تكريسٍ للتنافس الأعمى بين البشر دولاً وأفراداً ، وهو ما نعايشه اليوم ، لأن البقاء للأقوى ، وساحة البقاء في المنظور العلماني قاصرة على هذا العالم المحسوس فقط .

وتتجلى الدنيوية واضحة في الممارسات التأويلية التي تشتغل على النص القرآني فتحاول دائماً أن تحد من سلطانه الإلهي ، وتبرز دائماً ما يؤكد على الاعتبارات الدنيوية في مسائل الميراث ، والمرأة ، والحجاب ، والدولة والأخلاق ، ويُبرَّر ذلك بمبررات دنيوية محضة مثل: مواكبة العصر ، ومسايرة التحضر ، وتطور الفكر . والنموذج الذي يُحتذى في كل ذلك هو الغرب ، فكل ما عنده أصبح معيار التطور والتحضر والتقدم ، وتغفل هذه الممارسات أو تتنكر للجانب الغيبي الأخروي الذي يشكل الحيِّز الأكبر من الرسالة القرآنية ، وفي حالات متطرفة فإنها تقوم بعملية مسخ وتشويه لهذا الجانب عن طريق"التأويل المنفلت"لتجعله يصب في خدمة الدنيوية أيضاً .

والخلاصة:

العلمانيون - كما مر بنا سابقاً - يستدلون على علمانية الإسلام بدنيويته ، وبما حصل في التاريخ الإسلامي من ترف وبذخ وإقبال على الدنيا ، فهم بذلك يقرون بأن الدنيوية هي جوهر العلمانية ، وقد مر معنا كذلك كيف تؤكد دوائر المعارف والمعاجم الغربية على دنيوية العلمانية بما يغني عن الإعادة هنا .

لقد أشرنا - سابقاً - إلى أن الدنيوية ضاربة بجذورها في عمق التاريخ والحضارات ، وأن أكثر الأمم اختارت الحياة الدنيا على الآخرة ، ذلك لأن الحياة الدنيا حلوة خضرة وقريبة ، أما الآخرة فهي في منظور الإنسان العجول بعيدة غير مغرية كما تفعل الحياة الدنيا"متاع الغرور".

سؤال:

وما تعقيبك على ذلك ؟

إن الدنيوية تتحول إلى علمانية عندما تتحول الوسيلة إلى غاية ، والممر إلى مقر ، وقد يعترض علينا هنا بأننا نتحدث بلهجة صوفية وعظية ، ولكن هذه هي الحقيقة سواء كانت في قالب صوفي وعظي أم حداثي معاصر ؟

عمارة الدنيا مرادة إلى أقصى الحدود ، ولكن على أن لا يؤدي ذلك إلى الفساد في الأرض ، كما يجب مراعاة أن الإنسان مؤتمن وليس مالكاً حقيقياً ، وأنه رضي بحمل الأمانة ، وكل ما يؤدي إلى الإخلال بحفظ الأمانة"الكون والطبيعة والإنسان ورسالته فيهما"فإنه انقلاب إلى دنيوية عضوض أي علمانية .

الإنسان مُستَخلَف في الأرض ، وهذا يعني أنه لا يملك أن يضع لنفسه منهجاً في الحياة باستقلالية كاملة ، لأن المنهج وضعه المالك الحقيقي ، والسيد الحقيقي في هذا الوجود ، أما وظيفته هو فإنها تنحصر في أن يفهم المنهج بشكل صحيح وينزله على حياته كما أراد واضعه عز وجل . والفهم غير الوضع والإنشاء وإن كان الخطاب العلماني سينازع في هذا كما سنرى .

إن أي إنسان عاقل عندما يشتري جهازاً من شركة ما يقرأ النشرة المرفقة معه والتي تُبيِّن كيفية استعماله ، وقراءة هذه النشرة توفر عليه جهداً ووقتاً يبذله في محاولته تشغيل الجهاز دون استعانة بالصانع . إن جهده المستقل قد ينتهي بالوصول إلى معرفة تشغيل الجهاز ولكن بعد جهد ووقت من التجريب والمحاولة ، ولكنه قد ينتهي أيضاً بإتلاف الجهاز وإعطابه .

إن كل ممارسات الإنسان في هذا الكون لكي تبرأ من"الدنيوية العلمانية"يجب عليها أن تكون قائمة على مبدأ العبودية لله عز وجل ، والرغبة فيما عنده من الخير والسعادة ، ومنافية لمبدأي الكبرياء الزائف ، والعقلانية المتهورة القائمين على الاعتداد الأعمى بالذات والمنفعة العاجلة ، واللذة الزائلة ، والنظرة القاصرة على هذه الحياة الدنيا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت