فهرس الكتاب
والخلاصة التي يريد أن يقررها عادل ضاهر هي: أن العلمانية الصلبة لا تقوم على اعتبارات جائزة أو ممكنة ، بل على اعتبارات ضرورية ، فلا الوحدة الاجتماعية ، ولا الشروط التاريخية أو الاجتماعية أو الثقافية ، ولا النصوص الدينية هي التي تملي على العلماني الصلب موقفه، وهذا لا يعني أنه يرفض هذه الاعتبارات ، بل إنها ربما تكون حافزاً وعونًا له في موقفه ، ولكن موقفه الأخير تمليه عليه اعتبارات فلسفية محضة ، فهو يبني علمانيته على هذه الاعتبارات بالدرجة الأولى ، وما يأتي بعد ذلك مصدقاً فليكن في المرتبة الثانية .
وهذا يعني أن العلمانية الصلبة تعني أمرين أساسيين:
أولاً: أن العلاقة بين الروحي والزمني ، بين الدولة والسياسة لا يمكن أن تكون أكثر من علاقة موضوعية ، أي علاقة تفرضها ظروف تاريخية معينة ، وعلاقة كهذه لا يمكن أن تنبع من الماهية العقدية للدين. ويعني بذلك أنه حتى لو ثبت أن صلى الله عليه وسلم أقام دولة - بعكس ما أراد عبد الرازق وخلف الله أن يُثبتا - فإن هذه الدولة محكومة بظروف وشروط تاريخية معينة ، وليس لها أساس ديني خارج التاريخ ، ومفارق للزمن والواقع .
ثانياً: أن المعرفة العملية""أي المعرفة المطلوبة لتنظيم شؤون المجتمع والسياسة والإدارة والاقتصاد والقانون لا تجد ولا يمكن أن تجد أساسها الأخير في المعرفة الدينية""، وهذا هو تعريف عادل ضاهر للعلمانية .
سؤال:
هذا عن العلمانية الصلبة فماذا عن العلمانية اللينة ؟
العلمانية اللينة عند عادل ضاهر هي التي لا تقوم على أسس فلسفية ، وإنما تبحث عن مبرراتها في التاريخ والثقافة وعلم الاجتماع والنصوص الدينية ، وهذه المبررات بنظره جائزة وممكنة وليست ضرورية كالأسس الفلسفية الحاسمة ، ولذلك فإن علمانية هؤلاء تظل علمانية لينة، أي هشة لأن النصوص الدينية ليست حاسمة ، والخلاف في تأويلها يغذي كل وجهات النظر، ولأن الشروط التاريخية والثقافية ، والاجتماعية خاضعة للتغير والتطور عبر مرور الزمن .
كتاب عادل ضاهر"الأسس الفلسفية للعلمانية"يبلغ 429 صفحة يقوم على جدلية العقل والنقل ، وهي كما نعلم جدلية قديمة خاض فيها أعلام الفكر الكلامي الإسلامي ، ومنهم من اختار أسبقية العقل على النقل تخلصاً من الوقوع في الدور ، والعلمانية عند عادل ضاهر حتمية أو ضرورية - كما يُعبّر - للخلاص من هذه المشكلة"فالعلمانية هي الحل"عنده أيضاً - كما رأينا عند مراد وهبة - وهي المطلق أيضاً لأنها عنده"ضرورية"، ولكن في حين كانت عند مراد وهبة هي الحل لمشكلة الشرق الأوسط وقضية فلسطين ، فهي عند عادل ضاهر الحل لأزمة العقل العربي الإسلامي المتمثلة في التردد والحيرة بين العقل والنقل .
علينا أن نحذو حذو إمامينا الجليلين الغزالي والرازي في تقرير آراء الآخرين الذين نختلف معهم قبل أن نناقشها لنتبين الخطأ فيها من الصواب .
لقد اختار عادل ضاهر أن العقل أسبق من الوحي بل هو أساس الوحي ، وعلى هذه القضية يقوم كتابه ، فالأساس في الاعتبار العلماني هو المرجعية""إن العلمانية هي بالضرورة موقف رافض للطابع الكلياني للدولة الدينية الذي يرتبط مفهومياً بجعل الاعتبارات الدينية نهائية فيما يخص الأمور الروحية والزمنية على حد سواء … ومن المهم ملاحظة أن المعيار في كون الشخص علماني أو لا علماني ليس هو قبول المقررات الشرعية أو عدم قبوله ، وإنما المعيار هو الأساس الذي يبني عليه هذا القبول ، فاللاعلماني يبني قبوله على أساس ديني ، والعلماني قد يقبل الشريعة ، ويبني قبولَه على أساس عقلي أو خلقي ، وهو بذلك يظل علمانياً"".
المعيار إذن بين العلماني وغيره هو في أصل المشروعية التي يرتكز عليها مجتمع ما في تصوره لهويته وفي إرسائه لنظمه وشؤونه ، ففي المجتمع الديني تُستمَد المشروعية من مصدر مفارق علوي غائب قدسي والإنسان لا مشروعية له هنا ولا شرعية فهو مجرد نائب عن ، أما في المجتمع العلماني فالمشروعية مستمدة من داخله من الإنسان المستقل بعقله والذي يُنتِج معارفه وتجاربه وخبرته ففيه المشروعية والمرجعية .
ومن هنا فإن ما يرفضه العلماني هو المبادئ التي تقوم باسمها السيطرة ، وليس المقصود سيطرة الدين أو رجال الدين ، إن المرفوض هو أن تكون التعاليم الدينية هي التي ينبغي أن تشكل المعيار الأخير أو المرجع الأخير لكل القضايا الروحية والزمنية على حد سواء .