أما أصحاب قومية أتاتورك الأصلية وهم اليهود الصهيونيون ، فإن مشروع فصم عُرى الإسلام ، بدءاً من حل رابطته ، وحتى إسقاط خلافته وإقصاء شريعته ، قد جرى تنفيذه بإشراف واستشراف منهم ؛ فبعد أن أخفق ( تيودور هرتزل ) مؤسس الصهيونية الحديثة في إقناع السلطان عبد الحميد بالسماح بالهجرة لليهود إلى فلسطين ، اقتنع هو أن قيام الكيان اليهودي العالمي لن يكون إلا على أنقاض الكيان الإسلامي العالمي ، وتوثق بعد ذلك الاتصال بين رواد الصهيونية اليهودية ، وأعضاء جمعية الاتحاد والترقي الماسونية الطورانية ، حتى إن اللورد ستون ، صاحب كتاب ( نشوء القومية ) في تركيا كتب يقول: « العلامة البارزة في جمعية الاتحاد والترقي أنها غير تركية وغير إسلامية » ، وقال: « إن أصحاب العقول المحركة ورواد تلك الحركة كانوا يهوداً ، أو مسلمين من أصل يهودي ، ومواردهم المالية كانت تأتيهم عن طريق « الدونمة » ويهود سالونيكا الأثرياء ، كما كانت تأتيهم المعونات من بعض الجمعيات الدولية أو الشبيهة بالدولية من فيينا و بودابست و برلين ، وربما من باريس و لندن أيضاً ...
وبالرغم من كل ذلك ، فقد وُجد من الإسلاميين عرباً وعجماً من أشادوا بالقوميات حتى يومنا هذا ، وهي التي ولدت يهودية في شرقنا الإسلامي ، ثم تبناها صليبيون وتغريبيون في البلدان العربية على شكل أحزاب أسسها نصارى من أمثال: ( أنطون سعادة ) مؤسس الحزب القومي السوري ، و ( جورج حبش ) مؤسس حزب القوميين العرب و ( ميشيل عفلق ) ، مؤسس حزب البعث العربي الاشتراكي ، وكان أبرز القادة المنظرين للفكر العلماني في العالم العربي نصارى أيضاً ، من أمثال ( قسطنطين زريق ) و ( أميل البستاني ) و ( سلامة موسى ) ، ولا نستطيع أن نسمى من يسيرون على خطا هؤلاء ، ومن يسارعون فيهم إلا منافقين .
لقد أصبحت الرابطة التي تجمع - أو بالأحرى - تفرق ما بين العرب هي ( الجامعة العربية ) !! التي أصبحت ( الراعي الرسمي ) لكل الهزائم العربية أمام اليهود و النصارى الذين وطنوا القوميات والوطنيات في بلدان المسلمين ، ثم بدؤوا هم يعودون للمنطلقات الدينية إنجيلية وتوراتية .
ومن الجدير ذكره هنا أن دعوى الوطنية حلت محل القومية في تركيا بعد أن انهزم القوميون الطورانيون في تركيا في الحرب العالمية الأولى ؛ فقد انسحب أولئك الطورانيون من قيادة تركيا بعد توقيع اتفافية الهدنة بعد الهزيمة في 30/7/ 1918م ، وهو العام الذي احتل فيه الإنجليز عاصمة دولة الخلافة ، واحتلوا أيضاً فلسطين ، ليهيئوها بعد ذلك لإقامة دولة اليهود التي ظلت مستحيلة القيام في ظل جامعة إسلامية موحدة ، ومع تخلي الطورانيين عن الحكم ، حلوا جمعيتهم المشبوهة ( الاتحاد والترقي ) ليفسح الباب بعد ذلك للوطنيين بعد القوميين ، وتزعَّم مصطفى كمال أتاتورك ذلك الاتجاه ( الوثني الجديد ) ، وقدم نفسه على أنه منقذ الوطن ( تركيا ) من الاستعمار ، وبدأ يُرسَم له دور قائد ( المقاومة الوطنية ) ضد الاحتلال الإنجليزي ، وشكل جمعية أسماها ( الجمعية الوطنية ) عام 1920م ، لتكون ممثلة لسلطان الأمة كما يزعم ، وهنا انقسمت السلطة في الدولة العثمانية إلى سلطة شرعية بقيادة السلطان في القسطنطينية ، وسلطة معارضة في أنقرة ، وكان الإنجليز يتعاملون مع السلطتين معاً ، ريثما تحل سلطة المعارضة ( الوطنية ) محل السلطة الشرعية الممثلة آنذاك في منصب السلطان وحيد الدين ، ولكن الصراع احتد بين السلطتين ، وضُيق على السلطان واتهم بالعمالة للإنجليز ، وقلَّ أعوانه بعد أن تغلغل الكماليون في كل أنحاء وأجزاء الدولة ، فاضطر وحيد الدين إلى مغادرة القسطنطينية ، فخلا الجو للكماليين ، وتهيأ الفضاء الإسلامي في تركيا وما يتبعها من أوطان إسلامية ، لهبوط نازلة أعتى من القوميات وأنكى من الوطنيات .. إنها العلمانية الإلحادية الصريحة التي غرَّبت الإسلام في دياره ، وجادلته في المحكمات من نصوصه وآثاره ، وأرادت بل صممت على أن تنصب خيمتها وتقيم إمبراطوريتها على ركام بلدان الإسلام في أنحاء الأرض .
(خلافة البابوية:
(1) نشوء القومية في تركيا ، تأليف ورد ستون ، ص 135 - 136 .