فهرس الكتاب

الصفحة 5776 من 27364

-انتهى مؤتمر النازلة الكبرى بعد بحث طويل إلى مقررات تتلخص في تقرير شرعية منصب الخلافة وطرق انعقادها ودعائم بقائها وأسباب زوالها عن الشخص المعقودة به ، ليخلص التقرير الصادر عن المؤتمر من ذلك إلى أن عزل كمال أتاتورك للسلطان وحيد الدين عن الخلافة جاء لأسباب ارتضاها المسلمون الذين كانوا يدينون لخلافته ، ثم أشار التقرير إلى الخطوة الثانية من خطوات أتاتورك ، وهي تحويل الخلافة إلى خلافة روحية في شخص السلطان عبد المجيد ، وبيَّن أن ذلك الفعل من المجلس الوطني التركي ( بدعة ) ما كان المسلمون يعرفونها من قبل ، لكن التقرير نبه على أن خلافة عبد المجيد على هذا الشكل ليست شرعية ، وأن البيعة له بشرط أن يكون معزولاً عن السياسة لم تكن صحيحة أصلاً ، وحتى لو كانت صحيحة فإن عبد المجيد لم يكن يملك النفوذ والقوة المشترطة فيمن يتولى الخلافة ، لهذا فإنه ليست له بيعة في أعناق المسلمين لزوال المقصود من تنصيبه شرعاً ، واعتبر التقرير أنه « ليس من الحكمة ولا مما يلائم شرف الإسلام والمسلمين أن ينادوا ببقاء بيعة في أعناقهم لشخص لا يملك الإقامة في بلده ، ولا يملكون هم تمكينه منها » .

( إذن فما هو الحل ؟!

حاول المؤتمرون أن يسوِّغوا العجز عن تقديم مبادرة لحل الأزمة ، بأن « العالم الإسلامي أصبح في أزمة بسبب الضجة التي أحدثها الكماليون في تركيا بإلغائهم منصب الخلافة ، وجعلوا هذا الاضطراب سبباً في أن « لا يتمكن المسلمون معه من البت في تكوين رأي ناضج في مسألة الخلافة ، ولا في من يصح أن يكون خليفة لهم » ومن أجل هذا دعا مؤتمر الأزهر إلى عقد مؤتمر أوسع: « لهذه الأسباب نرى أنه لا بد من عقد مؤتمر ديني إسلامي يُدعى إليه ممثلو جميع الأمم الإسلامية للبت فيما يجب أن تسند إليه الخلافة الإسلامية ، وتكون بمدينة القاهرة ، تحت رئاسة شيخ الإسلام بالديار المصرية ، على أن يعقد في شهر شعبان من 1343هـ مارس 1925م » أي بعد مرور عام كامل من المؤتمر الأول !!

ولم ينس المؤتمرون قبل أن يطووا أوراقهم أن يوجهوا الشكر للأمم غير الإسلامية ( الكافرة ) التي « راعت » ظروف المسلمين في هذا الظرف العصيب ، فلم تتدخل في شؤونهم .. « نعلن شكرنا للأمم التي تدين بأديان أخرى غير الدين الإسلامي ، ولدول تلك الأمم على ما أظهروه إلى الآن من ابتعادهم عن التدخل في شؤون الخلافة الإسلامية ، ونرجو منهم أن يلاحظوا أن مسألة الخلافة مسألة إسلامية محضة لا يجوز أن تتعدى دائرتها ، ولا يهتم بها أحد من غير أهلها » !

ولنا ملاحظات وتساؤلات على ذلك المؤتمر ، وهي: هل كان المؤتمرون لا يعلمون شيئاً عن الدور الذي لعبته دول الأمم ( التي لا تدين بالإسلام ) في ترتيب خطوات إسقاط الخلافة بأشكال مباشرة وغير مباشرة ؟ .. وهل كانت وظيفة المؤتمر فقط أن يضفي شرعية على عزل السلطان عبد المجيد ؟

وكيف لم يكن الحكم الشرعي في العلمانية المطروحة بديلاً للخلافة موضوعاً ضمن مقررات المؤتمر ؟ وكيف نجح العلمانيون في أن يؤثروا على توصيات المؤتمر بحيث لا يشير أي إشارة إلى حل بديل في قضية الخلافة ؟

المؤتمر إذن لم ينجح ، وأرجأ إعلان عدم نجاحه إلى عام قادم يعقد فيه المؤتمر الثاني لبحث ( النازلة الكبرى )

! ( المؤتمر الثاني الموعود:

عندما جاء وقت انعقاد المؤتمر الموعود ، تأجل مرة أخرى لعام آخر ؛ لأن ( الظروف غير مناسبة ) وكانت تلك المدة كافية لأن تثير حول مفهوم الخلافة الكثير من التوترات والمهاترات التي من شأنها ( حتى من ناحية نفسية ) أن تقلل الحماس وتضعف العزيمة ، ولا شك أن العلمانيين الأوائل في مصر ومن خُدعوا بهم ، كان عليهم الجرم الأكبر في ذلك سواء كانوا من أصحاب ( الطرابيش ) أو ( أصحاب العمائم ) ، حيث عمل هؤلاء وهؤلاء ، من حيث يعلمون أو لا يعلمون على تحقيق غرض الإنجليز الواضح في تضييع الوقت ، وتمييع القضايا ، وتوسيع الصراع بين الأطراف في قضايا جانبية بعيداً عن القضية الأصلية ، ولما جاء أوان انعقاد ( مؤتمر الخلافة ) بعد عامين من سقوطها ، تحول ذلك المؤتمر إلى مواجهات بين أنصار الإبقاء على الخلافة بشكلها المعروف في الشرع ، وبين من رأوا إدخال ( تعديلات ) عليها ، وثارت مواجهات أخرى أشد بين أنصار تنصيب ( الملك فؤاد ) خليفة ، وبين أنصار تنصيب ( الحسين بن علي ) خليفة .

ولأن المؤتمر عقد في مصر ، وبدعوة من حزب الاتحاد التابع للملك ، فقد كان من الطبيعي أن يفقد المؤتمر صفته العالمية ، بل حتى على المستوى المحلي ذاته فقد انقسم علماء الأزهر أنفسهم حول استحقاق الملك لمنصب الخلافة ، وكان على رأس المعارضين في ذلك شيخ الأزهر نفسه ( محمد أبو الفضل الجيزاوي ) الذي رأى أن القاهرة لا تصلح لأن تكون عاصمة لدولة خلافة جديدة ، وهي لا تزال تحت احتلال الإنجليز .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت