هـ - جعْل الثورة الإيرانية الشيعية هي المثال لكل حكم إسلامي ، وصحوة إسلامية، بل إنهم يرددون في كتاباتهم مزاعم تصف العمل للإسلام ، والدعوة للعودة إليه ، والتمسك به بالسعي إلى إقامة طهران أخرى !! ؛وهم بهذا يريدون أن يخوفوا الشعوب من الصحوة الإسلامية، ويحاولوا الصد عن دين الله ، بل إن أحدهم قاس كل دولة إسلامية على الثورة الإيرانية بالنسبة للنص في الدستور على مذهب معين فقال:"وقياساً على هذا المنطق فإن الدولة الإسلامية في الوطن العربي يجب أن تعتمد على الأساس المذهبي ، ولا يخفى ما في ذلك من خطر وخطورة على إمكانية قيامها من جهة وعلى مضمون الوحدة والتماسك بين أبناء الدولة الإسلامية المنشودة من جهة ثانية" (4) وكأنه حريص على وحدة أي دولة إسلامية!
و- نقد الصحوة الإسلامية ومظاهرها، والسخرية منها والتعرض بالنقد اللاذع لرموزها من العلماء والدعاة وكل ذلك - كما أسلفنا - محاولة لإجهاض هذه الصحوة أو بث الوهن فيها، وتفريق الناس من حولها ولكنهم خابوا وخسروا.
2-الطرح المموه:
وأهل هذا الأسلوب غاية في الحذر والمكر، فهم يدَّعون الإسلام ، ويتباكون على حال المسلمين ، حتى يلتبس أمرهم على طالب الحق ، فلا يستطيع تمييزهم ، ولكنهم يعرفون بصدورهم عن آراء الشواذ فيما يتعلق بالشريعة وعدم رجوعهم إلى الحق ولو أقيمت عليهم الحجة، وهم في الغالب لا ينكشفون إلا في حال فرح غامر بانتشار المنكر أو استياء شديد عند حصول نصر للإسلام ، ففي هذه الحال يصدر منهم ما ينبىء بما يخفون وبهذا يُتبيَّن انتماؤهم ومنهجهم.
وغالب من يسلك هذا الطريق الملتوي يعيش في بلد ترتفع فيه راية الدين ؛ فلا يمكن له التصريح بمنهجه ، خشية من العقوبة الرسمية، أو خشية العقوبة الشعبية، كرفض الشعوب له وسقوط مصداقيته. ومن مرتكزات هذا الطرح ما يلي:
أ- الدعوة إلى الاجتهاد والتجديد، والإلحاح على ذلك، وحشد النصوص والنقول الشاهدة على ذلك ، ثم تمتد هذه الدعوة إلى الاجتهاد في ثوابت الدين ، وتمتد إلى تجديد أحكام مجمع عليها وإلى الحث على تجاوز الإنتاج الفكري والفقهي الإسلامي على مدى أربعة عشر قرناً، والرجوع إلى الكتاب والسنة بشكل مجرد، ورفض أية وصاية - على حد زعمهم - يفرضها ذلك الإنتاج ، وعدم الاعتراف بكثير من شروط الاجتهاد التي وضعها السلف!
وقد تورط في مثل هذه القضايا بعض الكُتاب مثل فهمي هويدي في كثير من كتاباته وخاصة ما كتبه في فصل"وثنيون أيضاً عبَدة النصوص والطقوس"في كتاب"القرآن والسلطان". والدكتور محمد عمارة في كتاب"الإسلام والعروبة والعلمانية"، وفي كثير من كتاباته المعاصرة، وآخرين من أمثالهم.
إن الدعوة إلى الاجتهاد في أصلها صحيحة، ولكن الاجتهاد له ضوابطه وشروطه التي فصّل فيها علماء الأمة القول ، وبينوا أن المجتهد لابد له من الآلة، وهي علوم الشريعة، وأنه لابد - لكي يكون مجتهداً معذوراً - أن يبذل الوسع ، ويخلص النية، وإلا كان كمن اجتهد في القرآن برأيه ، فأصاب ولكنه مخطئ؛ لأنه اجتهد بغير علم، ويتناسى أصحاب هذه الدعاوى أقوال الفقهاء والعلماء في التحذير من القول على الله بغير علم (5) .
ب - ادعاء: أن المهم هو أساس الإسلام ، ورسالته المهمة في إصلاح النفوس وتزكيتها وتهذيب الأخلاق ،وأن هذا أهم من تطبيق الشريعة، وإقامة الحدود، والجهاد وغيرها مما يؤذي الحس العلماني المرهف!! الذي يرضى بالشرائع الغربية، والقوانين الوضعية التطبيقية، ولا يهتم إلا قليلاً بنقل جدية الحضارة الغربية في العلم المادي ، وهذا واضح في الجهود التي تبذلها الحكومات العلمانية في محاربة الدين ، وتغريب القوانين ، بينما لم يستطع أي من تلك الأنظمة التقدم تقنياً ومادياً كما تقدم في مجال التغريب !
ويحرص العلمانيون على احتقار المظاهر الإسلامية، لأنها هي سمة المسلمين ، وبها يعرف المسلم من غيره في عصور ظهور الإسلام، ولكن إذا فقدت هذه المظاهر أهميتها أصبح التمييز بين المسلم وغيره أصعب، وهذه الإشكالية صحيحة أيضاً بالنسبة للعبادات والشعائر العامة، وفي مثل هذه الأحوال يمكن للعلمانيين التحرك بحرية داخل المجتمع الإسلامي.
ج - دعوى الحرص على الوحدة وعدم التفرق: هذه الدعوى قديمة ومتجددة لدى العلمانيين ، فهم يرفعون هذا الشعار في كل مكان ، ويرفضون التمسك بالدين - وبالذات في حكم المجتمع - لأنه - على حد ما يزعمون ويفترون - يفرق المجتمع ، ويؤجج النزعة الطائفية، وقد قال هذه الدعوى كثير من العلمانيين ، بل يذهب العلمانيون في تنظيرهم إلى وجوب تطبيق العلمانية لتحقيق ما يسمى بالوحدة الوطنية! وهذا أحدهم يقول عن العلمانية:"وتلغي تنظيم المجتمع على أساس الطوائف وهي إذ تلغي الطائفة - كوسيط بين الفرد والدولة - فإنها توفر أساساً ضرورياً للديمقراطية، وتوحيد المجتمع في إطار عقلاني لا يمكن أن يتحقق في ظل الانقسام الطائفي" (6) .
ويقول:"العلمانية هي الطريق الوحيد لتحقيق وحدة المجتمع ، وإلغاء الانقسامات العامودية، مثل العشائرية، والعرفية، والقطرية، إلى جانب الطائفية" (7) .