وينطبق التحليل نفسه على سائر النقاط التي يقال عادة: إن هناك تقارباً بين الإسلام والعلمانية فيها، والتي كان حظ بعضها في المعالجة وفيراً ، كمفهوم الديمقراطية والليبرالية بين الإسلام والعلمانية مثلاً، أو مفهوم العقل فيهما ، ولكننا هنا نضرب مثلاً لرأس موضوع آخر يقال إن فيه مِثْلَ هذا التقارب، ألا وهو: التركيز على النزعة الإنسانية ، أو ما يعرف بـ (الهيومانزم) ، لقد قيل كلام كثير عن التقاء الإسلام بالعلمانية في هذه النقطة؛ لأن الإسلام قد كرم الإنسان وأعلى من شأنه؛ بينما تدعي العلمانية في جوهرها أنها هي الفكر الذي جعل من الإنسان »معيار كل شيء« ، كما يقول المثل العلماني الأشهر ، ولكن: هل إعلاء الإسلام لشأن الإنسان مثل إعلاء العلمانية لشأنه؟ ، من الواضح أن الاتجاهين على طرفي نقيض في هذه الناحية؛ فالعلمانية تجعل الإنسان (ككائن مجرد مطلق) بديلاً عن الإله الذي رفضته أو أبعدته عن العالم ، وتجعله الواضع لكل القيم والمعايير ، كما تجعله الهدف الأسمى الذي يصب كل شيء في خدمته مهما كان ، أما الإسلام: فلا يجعل الإنسان على هذه الدرجة أو الكيفية من التأله والإطلاق والغائية ، كما أنه ليس هو واضع القيم العليا والمبادئ الكلية ، وهو يستمد تكريمه من خالقه، وليس من مجرد كينونته هو، كما أن هذا التكريم مقصور على النواحي المادية الدنيوية بالنسبة للجميع ، لكنه في الآخرة يقتصر على المؤمنين المقبولين وحدهم.
إذن: نلاحظ مرة أخرى أن هناك خلطاً متعمداً ، فيكفي عند هؤلاء أن يجيء في القرآن أن الله كرم بني آدم حتى تعقد المقارنات مع العلمانية التي كرمت الإنسان كما زعمت حتى وإن كان العالم قد عرف في عهود العلمانية من الجرائم في حق الإنسانية والإنسان ما لم يعرفه في عهود الوثنية والأديان السالفة.
إن الطرح القائل بوجود تقارب بين مواقف الإسلام والعلمانية حول عدد معين من القضايا الفكرية والاجتماعية يعبر في ضحالته عن اتجاه في المحاججة ، نلمسه عند بعضهم في تناولهم لشتى المسائل والأفكار ، ونعني بهذا الاتجاه المعيب: الوقوف عند ظواهر المصطلحات أو على معانيها الأولية المبهمة غير الدقيقة؛ مما يسهل تمرير أي موقف ، ويسهل كذلك من القول بالتقارب أو حتى التماثل بين ذلك المذهب وتلك الفلسفة ، ولكن ما إن نبدأ في بحث دقيق حول نطاق المعاني والمضامين المبثوثة في مصطلحات أو مقولات معينة.. إلا ونلاحظ الفروق الجلية بين المذاهب ، ومن الأمثلة على ذلك: مفهوم »الإله « في الإسلام والمسيحية ، فقد درج بعض الناس على القول بتوحد الأديان السماوية ـ كما يطلق عليها ـ؛ لأنها كلها تعبد الإله نفسه! ، ولكن مفهوم » الألوهية « في الإسلام يختلف اختلافاً نوعيّاً وجذريّاً عن مفهوم » الرب« في النصرانية المتداولة ، أو في اليهودية.
وقد يكون لدعوى التقارب بين الإسلام والعلمانية مبرراتها السياسية الآنية عند بعض أولئك ممن ينشغلون بالمناورات والتحركات السياسية ، لكنها غير مبررة ولا منطقية في عرف الفكر الصحيح.
مجلة البيان