فهرس الكتاب
قد يكون الحديث عن العورات أقل شأنا من الخوض فيه في هذا المقام، ولكن الخطورة الأكبر لم تعد في تضييق مفهوم العورة هنا، بل في عرض الثقافة المنحلة والإباحية بشكل سافر دون أن تمر على أي مقص للرقيب، فقد بات من الممكن لهذه القنوات وغيرها بث الأفلام والمسلسلات والبرامج التي تروج للجنس والإباحية بكل صراحة ودون أي تحرج، وكل هذا مبرر ما دامت العورات لم تكشف بعد.
في جعبتي الكثير من الأمثلة التي ما زالت تُعرض على هذه القنوات، فهناك بعض الأفلام التي تدور قصصها كاملة حول السفاح الرخيص، كأحد الأفلام الذي عرض لقصة مجموعة من الشباب والفتيات في ليلة رأس السنة، حيث لا همّ لهذه المجموعة غير المترابطة إلا البحث عن شريك لتلك الليلة، وهو ما يتم تحقيقه لاحقا مع نهاية القصة. أما المسلسلات الكوميدية فلا تجد تحرجا من الترويج لهذه الثقافة تحت لائحة الكوميديا التي تبرر كل شيء، حيث تغدو الكلمات الجنسية مع ترجماتها متاحة للشباب واليافعين طوال النهار، خصوصا وأن هذه المسلسلات تصنف تحت فئة البرامج الترفيهية العائلية (!) .
البرامج الأمريكية ليست بعيدة عن هذا أيضا، والمؤسف حقا أن تلقى حلقة أوبرا التي تعرضت لوضع المرأة في السعودية كل ذلك الاستنكار بينما لم ينبس أحد من المتابعين ببنت شفة إزاء الإسفاف المستمر في الترويج للثقافة الأمريكية المنحلة بهذا الوضوح سواء من خلال برنامج أوبرا أو غيره، ففي إحدى حلقات برنامج D صلى الله عليه وسلم Phill المخصص لحل المشاكل الزوجية يتم عرض قصة أحد الأزواج الذي جاء للمسرح ليعترف بخيانته لزوجته طوال سنين مع إحدى زميلاته في العمل بالرغم من معرفتها بالأمر، حيث تُناقش المشكلة من قبل الدكتور (فل) على أنها مسألة خيانة يمكن أن تحدث في أي عائلة أمريكية- حتى في بيت الرئيس كما هو معروف- بينما يتناسى المشاهد العربي أن هذه الجريمة التي تسمى زنا في الإسلام تستوجب الرجم حتى الموت!
الأثر الكبير والخطير إذن لهذا الإعلام الذي يتم بثه على مدى أربع وعشرين ساعة لا يقتصر على بعض المشاهد غير المهذبة، بل في الثقافة التي يتشبع بها والتي تحمل في كل ثانية من ثواني البث رسائل مؤدلجة تترسخ في ذهن المشاهد العربي المسلم، والذي غالبا ما يكون في سن الشباب أو الطفولة.
تعتمد وسائل الإعلام العالمية اليوم سياستين في غاية الخطورة لترويج أيديولوجيتها:
1-عدم التصريح: حيث يدعي الإعلاميون في كل وسائل الإعلام تقريبا الحيادية مع تفاوت بسيط إزاء بعض القضايا الحساسة، وهي دعوى لا يمكن أن تقنع أحدا من العقلاء، ولكن المشكلة الحقيقية هي في عدم وضوح الرسالة التي يتم تحميلها للمواد الإعلامية، فعندما يتعمد الإعلاميون بث نشرة الأخبار من استديوهات باذخة وبتقنيات مكلفة، مع اهتمام كبير بمظهر المذيع أو المذيعة وطريقة الإلقاء، ثم إتباع الخبر بتحقيق مصور واتصال هاتفي مع أحد المختصين، يستتبع كل ذلك إيجاد نوع من الارتياح لدى المشاهد بكفاءة القناة والقائمين عليها، دون الانتباه إلى أن التحقيق لم يتعرض لكل وجهات النظر، وأن الخبر قد تمت صياغته بطريقة مفبركة، وأن الضيف الذي تم الاتصال به لم يطرح إلا وجهة نظره الخاصة والتي قد يخالفه فيها معظم أفراد المجتمع.
من جهة أخرى فإن الانفلات الأخلاقي في معظم الأفلام والمسلسلات المستوردة لم يعد يخفى على أحد، كما لم تعد حجة تجنب المشاهد الإباحية مقنعة لكل من بقيت لديه مُسكة من عقل، فالإباحية لا تُنقل اليوم بشكلها السافر، بل من خلال أفلام وحلقات كاملة تُبث على مدار الساعة ويدور محورها الرئيس حول العلاقات الجنسية التي تجري بكل سهولة خارج إطار الزواج، وهو ما يسمى عند المسلمين الذين يشكلون الأغلبية الساحقة من المشاهدين بالزنا، والذي يعد من أكبر الكبائر في الإسلام كما لا يخفى على أحد. هذا فضلا عن تشجيع الشباب والفتيات على التمرد وخرق الثوابت الإسلامية والأعراف الاجتماعية، والمشكلة أن ذلك لا يتم من خلال حوار حضاري يناقش مفاهيم الشباب وقناعاتهم، بل عبر السرد المستمر للقصص المثيرة للعواطف والغرائز تحت شعار الانفتاح تجاه الآخر والحرية الفردية!
2-التكرار: من الثابت في التاريخ أن دعاة الأهواء لا يملون، بينما تضعف همم الشرفاء والمناضلين في سبيل الحقيقة قبل بلوغ الهدف، ولعل الإعلام اليوم يقدم مثالا واضحا على هذا الصراع. فقد أثبتت إحدى الدراسات أن تكرار عرض أحد النجوم في فيلم سينمائي وهو يدخن لأربع مرات كفيل بزرع هذه العادة في نفوس معجبيه! لذا فإن تكرار عرض هذه الأفلام أو البرامج أو التغطيات الإخبارية الموجهة قد يؤدي مع مرور الوقت إلى تغيير كبير في الرأي العام العربي، إذ بات من الواضح اتساع القاعدة الشعبية المتأثرة بهذه الثقافة، ولا يقتصر الأمر طبعا على الإباحية والانحلال التي قد تشكل بوابة نفسية للدخول إلى القناعات، بل يمتد إلى العبث بالمرتكزات الأساسية للفرد وطريقته في اتخاذ مواقفه تجاه الكثير من القضايا، خصوصا عندما يغيب الصوت الآخر المخالف، أو يكون ضعيفا وغير قادر على المنافسة والإقناع.