فهرس الكتاب

الصفحة 5914 من 27364

•…وسائل وطرائق العلمانية من الغرب للشرق:

لقد بزغ نجم العلمانية وعلا شأنه في الغرب في ظل الظروف التي أشرنا إليها ، وقد صاحب ظهورها في الغرب انحطاط وتخلف وهزائم في الشرق، مما أتاح للغرب أن يستلم زمام قيادة ركب الحضارة البشرية بما أبدعه من علم وحضارة ، وما بذله من جهد وتضحية ، فكان أمراً طبيعياً أن يسعى الغرب لسيادة نموذجه الحضاري الذي يعيشه وأن يسوقه بين أمم الأرض لأنه بضاعته التي لا يملك غيرها ، ولأنه أيضا الضمانة الكبرى لبقاء الأمم الأخرى تدور في فلك التبعية له وتكدح في سبيل مدنيته وازدهار حضارته ، وكان تسويق الغرب للعلمانية في الشرق الإسلامي من خلال الوسائل والطرق الآتية:

1-من خلال الاحتلال العسكري الاستعماري:

فقد وفدت العلمانية إلى الشرق في ظلال الحرب العسكرية، وعبر فوهات مدافع البوارج البحرية، ولئن كانت العلمانية في الغرب نتائج ظروف ومعطيات محلية متدرجة عبر أزمنة متطاولة، فقد ظهرت في الشرق وافداً أجنبياً متكامل الرؤى والإيديولوجيات والبرامج ، يطبق تحت تهديد السلاح وبالقسر والإكراه، كمن يصرّ على استنبات نبتات القطب الجليدي في المناطق الاستوائية ، وفي هذا من المصادمة لسنن الله في الحياة ما يقطع بفشل التجربة قبل تطبيقها، لأن الظروف التي نشأت فيها العلمانية وتكامل مفهومها عبر السنين تختلف اختلافاً جذرياً عن ظروف البلدان التي جلبت إليها جاهزة متكاملة في الجوانب الدينية والأخلاقية والاجتماعية والتاريخية والحضارية ، فالشرط الحضاري الاجتماعي التاريخي الذي أدى إلى نجاح العلمانية في الغرب مفقود في الشرق بل في الشرق نقيضة تماماً - و أعني بالشرق هنا الشرق الإسلامي - , ولذلك فلا عجب إن كانت النتائج مختلفة تماماً كما سنرى , وحين نشأت الدولة العربية الحديثة كانت عالة على الغربيين الذين كانوا حاضرين خلال الهيمنة الغربية في المنطقة ومن خلال المستشارين الغربيين أو من درسوا في الغرب واعتنقوا العلمانية ، فكانت العلمانية في أحسن الأحوال أحد المكونات الرئيسية للإدارة في مرحلة تأسيسها وهكذا بذرت بذور العلمانية على المستوى الرسمي قبل جلاء جيوش الاستعمار عن البلاد التي ابتليت بها .

2-من خلال البعثات التي ذهبت من الشرق إلى الغرب لطلب العلم والتقدم , فعاد الكثير منها بالعلمانية لا بالعلم ، ذهبوا لدراسة الفيزياء والأحياء والكيمياء والجيولوجيا والفلك والرياضيات فعادوا بالأدب واللغات والاقتصاد والسياسة والعلوم الاجتماعية والنفسية ، بل وبدراسة الأديان وبالذات الدين الإسلامي في الجامعات الغربية ، ولك أن تتصور حال شاب مراهق ذهب يحمل الشهادة الثانوية ويلقى به بين أساطين الفكر العلماني الغربي على اختلاف مدارسه ، بعد أن يكون قد سقط إلى شحمة أذنيه في حمأة الإباحية والتحلل الأخلاقي وما أوجد كل ذلك لديه من صدمة نفسية واضطراب فكري ، ليعود بعد عقد من السنين بأعلى الألقاب الأكاديمية ، وفي أهم المراكز العلمية بل والقيادية في وسط أمة أصبح ينظر إليها بازدراء ، وإلى تاريخها بريبة واحتقار ، وإلى قيمها ومعتقداتها وأخلاقها - في أحسن الأحوال - بشفقة ورثاء . إنه لن يكون بالضرورة إلا وكيلاً تجارياً لمن علّموه وثقّفوه ومدّنوه ، وهو لا يملك غير ذلك ، ولئن كان هذا التوصيف للبعثات الدراسية ليس عاماً ، فإنه الأغلب وبالذات في أوائل عصر البعثات ، وما"طه حسين"و"رفاعة الطهطاوي"إلا أمثلة خجلى أمام غيرهم من الأمثلة الصارخة الفاقعة اللون مثل"زكي نجيب محمود"و"محمود أمين العالم"و"فؤاد زكريا"و"عبدالرحمن بدوي"وغيرهم الكثير .. ولئن كان هذا الدور للبعثات العلمية تم ابتداء من خلال الابتعاث لعواصم الغرب فإن الحواضر العربية الكبرى مثل"القاهرة - بغداد - دمشق"أصبحت بعد ذلك من مراكز التصدير العلماني للبلاد العربية الأخرى، من خلال جامعاتها وتنظيماتها وأحزابها وبالذات لدول الجزيرة العربية , وقلّ من يسلم من تلك اللوثات الفكرية العلمانية، حتى أصبح في داخل الأمة طابور خامس ، وجهته غير وجهتها وقبلته غير قبلتها ، وإنهم لأكبر مشكلة تواجه الأمة لفترة من الزمن ليست بالقليلة .

3-من خلال البعثات التبشيرية:

فالمنظمات التبشيرية النصرانية التي جابت العالم الإسلامي شرقاً وغرباً من شتى الفرق والمذاهب النصرانية جعلت هدفها الأول زعزعة ثقة المسلمين في دينهم ، وإخراجهم منه ، وتشكيكهم فيه ، حتى وإن لم يعتنقوا النصرانية ، وليس أجدى من العلمانية وسيلة لهذا الغرض ، والأمر ليس من باب التخمين والافتراض بل نطقت بهذا أفواههم وخطته أقلامهم ، وإن شئت فارجع إلى كتاب"الغارة على العالم الإسلامي"مثلا ليبين لك ذلك .

وهؤلاء المبشرين: إما من الغربيين مثل"زويمر"و"دنلوب", وإما من نصارى العرب مثل"أديب إسحاق"و"شلبي شميل"و"سلامة موسى"و"جرجي زيدان"وأضرابهم .. ومنهم من كان يعلن هويته التبشيرية ويمارس علمنة أبناء المسلمين"كزويمر"ومنهم من كان يعلن علمانيته فقط ، ويبذل جهده في ذلك"كسلامة موسى"و"شبلي شميل".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت