لكن إذا كان الإسلام عزيزا في قلوب الناس، يكرهون، ويبغضون من يجاهر بكفره، وفجوره، ويحذورن منه، ويزجرونه، ويهجرونه، فإنهم يرتدون إلى النفاق تارة أخرى، فإذا كان النفاق لباسا للمنافقين زمن عز الإسلام وسلطانه وحكمه بالسيف، فإنه لباسهم أيضا في زمن عزه في قلوب ونفوس المسلمين بعامة، خشية على أنفسهم من النبذ والمهانة على أيدي المؤمنين.
ففي الأول خافوا سلطان الشرع، وفي الآخر ضعف سلطان الشرع، لكن حل محله قوة المؤمنين في الاعتزاز بدينهم، ورفض كل من يمس هذا الدين بسوء، بأي شكل من الأشكال..
وهذا من الخير المبني على دعوة الناس إلى الدين، ونشر العلم الصحيح، فإن الناس إذا فهموا دينهم فهما صحيحا، كانوا حماة له من المعتدين الظالمين، بأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر.
ولباس النفاق الذي يلبسه المنافقون هذه المرة، تتفق وتختلف مع النفاق الأول:
تتفق في كونهما نفاقا، وهو إظهار خلاف الباطن.
وتختلف أن النفاق الأول كان بإيهام المؤمنين أنهم معهم على الإيمان ومحبة الله ورسول صلى الله عليه وسلم ، فإذا لقوهم قالوا: آمنا؛ وإذا خلوا استهزءوا بهم؛ ويشهدون معهم الصلاة، فإذا غفل المؤمنون تخلفوا، كما كانوا يتخلفون عن صلاة العشاء والفجر للظلمة، حيث لا يراهم أحد..
أما النفاق الثاني فإنه يكون بصورة أخرى، هي:
تفسير النصوص الشرعية بصورة أخرى غير ما استقر عليه الإسلام، ومات عليه رسول ا صلى الله عليه وسلم ، وعمل به الصحابة رضوان الله عليهم..
بشتى أنواع الدعاوى والاعتذارات:
-تارة بأن العصر يستلزم أحكاما جديدة، وأن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان.
-وتارة بتتبع خلاف العلماء، والانتقاء من أقوالهم ما يوافق أهواءهم، ولو كان قولا شاذا.
-وتارة بالاستشهاد ببعض الأقوال والوقائع في الصدر الأول، مما ظاهره تأييد لدعاويهم.
-وتارة بالاستقلال بفهم النصوص، ورفض كلام العلماء، واعتبار العقل حجة مطلقة في الفهم.
وحقيقة قولهم تعطيل الإسلام، جملة وتفصيلا، وهم يعلمون ذلك، وقد كانوا يوما يدعون إلى ذلك صراحة، ويطعنون في الإسلام، ويتهمونه:
بالرجعية، والجمود، والتخلف، والظلامية، وتراثه بالعفونة، والأوراق الصفراء، وغير ذلك..
لكنهم باءوا وخسروا، وانحطت مرتبتهم عند الناس، وخافوا على أنفسهم من البؤس، ولأفكارهم من البوار، فأوصوا تلامذتهم وكتبوا لهم:
أن يغيروا منهجهم في الكيد للإسلام بنقل المعركة، من معركة مع الإسلام، إلى معركة مع رموز الإسلام، الذين هم العلماء، وتحديهم في فهم الإسلام، واعتبار أنفسهم ندا لهم في تحليل نصوص الشرع، واستنباط أحكامه..
حتى يبدو أن الخلاف ليس حول الإسلام، إنما حول تفسيره ومعناه..
وهذا ما يريدون الوصول إليه..!!!!..
وبذلك ظنوا أنهم قادرون على استعادة ما فقدوه من مكاسب خاسرة، في إضلال الناس، لكن الواقع أن عامة الناس صار يدرك حقيقة قولهم قبل العلماء، فما عادوا يضلون إلا من هو ضال أصلا..
إن الخلاف مع هؤلاء حول الإسلام نفسه، وليس في تفسيره، كما يوهمون:
-فإنهم يقولون إن الحقائق نسبية، لا يحتكرها أحد.. كل من يعتنق شيئا فهو حق..
وهذا ليس من الإسلام في شيء، فكل دين سواه باطل، فالإسلام يحتكر الحقيقة، قال الله تعالى:
{ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} .. والمسلم يملك الحقيقة في الدين.
-إنهم يقولون: نصوص الكتاب والسنة لها أوجه في التفسير كثيرة، كل وجه هو حق، بحسب فهم القارئ للنص..
أي أن الإسلام هلامي الشكل، ثوب فضفاض، يلبسه كل متلاعب، وذي هوى؛ يقرأ الآية، أو الحديث، فما فهمه منه فهو عين الصواب، ولعمري هذا هو الإلحاد في آيات الله، ولو كان الأمر كما يقولون لما أوجب الله تعالى إقامة الحدود، وقسم الناس إلى فريقين: مؤمنين وكافرين، لكن حتى هذه عندهم فيها نظر:
-فإنهم يقولون: اليهود والنصارى مؤمنون، كالمسلمين؟.
لكن الله تعالى يقول: {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم} ..
-إنهم يرفضون التحاكم إلى شريعة الله تعالى، يرفضون الحدود، من قطع يد السارق، وجلد الزاني، والقصاص من القاتل، وينكرون حد الردة، وهكذا كل الحدود.
وهي ثابتة في نصوص صريحة، لكنهم يرفضونها، أو يرفضون تفسيرها على النحو الثابت عن الصحابة رضوان الله عليهم، ويعللون رفضهم بإحدى الدعاوى الآنفة، يستترون بها، والله أعلم بما يكتمون..
-إنهم يرفضون الحجاب، ويدعون إلى السفور والاختلاط، ومنع قوامة الرجل على المرأة، ويثيرون المرأة على دينها وسترها.
وقضية المرأة من أكبر قضاياهم، ويراهنون عليها في كل ميدان.. ومع أن من المسلمات أن الإسلام جاء بالحجاب ومنع الاختلاط، إلا أنهم يثيرون كلاما كثيرا حوله، بتأويل وتحريف الكلم عن مواضعه، يبتغون الفتنة.
إن آية المنافقين هو الكذب:
{اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون} ..
فهم مستعدون لفعل أي شيء، لتحقيق ما يريدون، والأيمان أهون شيء عليهم، فلا يخافون من الله تعالى أن يغمسهم في جهنم جزاء حلفهم الكاذب، لكن مهما حلفوا فإن آثار النفاق ظاهر عليهم: