المثقفون في الأمة الحية هم خيارها تقوم الأمة نحوهم بواجب التقدير ، ويقومون بواجب التوعية وواجب النقد والتصحيح والتجديد، ولذلك يجب أن يكون مكانهم في أمنع المواقع بعيداً عن الأذى، وإن غياب هؤلاء عن مركز القرار ورسم السياسات أضر كثيراً بالعالم الإسلامي. فالمؤسسات العلمية لم تعد تخرج (المثقف) الذي يحول الفكرة إلى عمل وسلوك، ويجسد الشخصية الإسلامية بعلمه وخلقه؛ بل تخرج (حامل الشهادات) ، المتزين بها، الذي يتقن مهنة"التعالم"، ومع الأسف فإنه في الآونة الأخيرة أبعد دور المثقف لصالح دور الخبير الإداري وهي بضاعة أمريكية ومع الأسف أيضاً فإن صورة المثقف كانت سابقاً في الوطن العربي (المثقف العلماني) الذي ينظر إلى الدين كتراث يستحق التأمل فيه، وهؤلاء الذين يسمون أنفسهم مثقفين ملأوا الدنيا صراخاً حول موضوع الحريات والديمقراطيات ، لكنهم لا يحتملون وجود (المثقف المسلم) هؤلاء الذين يسمون أنفسهم"تنويريين"ويتحككون بالمعتزلة الذي يمثلون بنظرهم التيار العقلاني والفئة المثقفة في التراث الإسلامي لا يتذكرون أن هؤلاء المعتزلة هم الذين استعانوا بالسلطة لفرض آرائهم بالقوة على الإمام أحمد وأهل السنة، فمن هو المتنور؟ ومن هو الظلامي؟ هل الذي يتعرض لسيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولصحابته رضي الله عنهم بالتشوية والشك يسمى مثقفاً؟ وهل إصرار محمد أركون على تفكيك النص القرآني شأن ما فعله علماء النصارى البروتستانت بالتوارة والإنجيل يسمى (ثقافة) ؟!.
إن كلمة (مثقف) في الخطاب العربي المعاصر لا تعني الرجل الحاذق العالم الذي يحمل هموم الأمة، بل أقرب ما تعنيه هي كلمة intellectual الإنجليزية، أي طبقة الذين يشتغلون بالفكر ولا يعملون بأيديهم. إننا نخشى أن تُسمّى الأشياء بغير سمياتها، أو نلبسها خلاف لبوسها، ويصبح المتعالم البعيد عن المواقف الثابتة والمبادئ القويمة يُسمى حكيماً وعاقلاً وخيّراً، وليست هذه هي مهمة المثقف. (1) لسان العرب 1/492 مادة: ثقف
(2) محمد البشير الإبراهيمي: الآثار الكاملة 2/126
(3) رسالة في الطريق إلى ثقافتنا /72
(4) مالك مالك بن نبي: مشكلة الثقافة /50