ثانياً:أن الوجود الإسلامي في المجتمع الأمريكي، قد بدأ مع اكتشاف الولايات المتحدة، حيث تحدثت كتابات المؤرخين واكتشافات الجغرافيين عن وجود مسلمين في الرحلات الجغرافية التي تمت لاكتشاف الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن نمو هذا الوجود ظل يسير بمعدلات بطيئة، حتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، حيث شهدت هذه الفترة تسارع معدلات الهجرات الإسلامية إلي الولايات المتحدة، ارتباطاً بالظروف والمتغيرات الداخلية والدولية في الدول الإسلامية.
ثالثاً:أن الأقليات الإسلامية في الولايات المتحدة لا تعبر عن جماعة واحدة لها سمات وقواسم مشتركة تجمع بين أعضائها وتمنحها هوية واحدة، فالأقليات الإسلامية تتكون من العديد من الجماعات والانتماءات والتصنيفات، والتي في إطارها تم التمييز بين أربع مجموعات أساسية: ذوي الأصول الأفريقية، وذوي الأصول الأسيوية، وذوي الأصول الشرق أوسطية، وذوي الأصول الأوربية والأمريكية.
ولكن هذا التنوع لا ينفي وجود قواسم مشتركة ـ وإن كانت محدودة ونسبية ـ تجمع بين معظم هذه الجماعات أهمها الاشتراك في العبادات الدينية، وأسس المعاملات بين الأفراد والجماعات كما شرعها الدين الإسلامي، وكذلك وجود نوع من الثقة في التفاعل بين المسلمين وبعضهم البعض هذه الثقة التي تستند بالدرجة الأولى إلى قناعة المسلمين بتأثير دينهم في قيم وأخلاقيات أتباعه، يضاف إلى ذلك وجود نوع من التوحد خلف العمل علي الدفاع عن الحقوق الإسلامية، والدعم والمساندة للجهود التي تبذل في عدد من القضايا الرئيسية الداخلية (مثل قضية الحقوق المدنية للمسلمين، والرد على محاولات تشويه صورة الإسلام والمسلمين، ..) ، والخارجية (مثل قضية القدس، ..) .
رابعاً:أن هناك العديد من المحددات التي تتوقف عليها طبيعة وفاعلية الدور السياسي للأقليات الإسلامية في المجتمع الأمريكي، وفي إطار هذه المحددات تم التمييز بين ثلاثة مجموعات أساسية: المحددات النابعة من طبيعة الأقليات الإسلامية في المجتمع الأمريكي، والمحددات النابعة من المجتمع الأمريكي، والمحددات النابعة من البيئة الإقليمية والدولية المحيطة.
خامساً:أن أحداث سبتمبر 2001، مثلت لحظة انقطاع في القضايا التي تمثل محوراً لاهتمام المسلمين في المجتمع الأمريكي، حيث وضعتهم في موقع انتظار وترقب لما ستسفر عنه الأزمة ورد الفعل الأمريكي الرسمي والشعبي عليها، ولذلك حاولت التنظيمات السياسية ذات التوجهات الإسلامية العاملة في المجتمع الأمريكي، إعادة صياغة قضاياها وتزويدها بمجموعة من القضايا القادرة على جذب اهتمام جماهير المسلمين الأمريكيين، وتفعيل دورهم في المجتمع.
سادساً:أن أحداث سبتمبر لم توقف عجلة تطور الوجود الإسلامي في المجتمع الأمريكي وذلك لعدة اعتبارات من بينها؛ طبيعة هذا الوجود، من حيث استناده على الهوية الإسلامية كمصدر للقيم والتوجهات، مما يجعل المسلمين أقل تعرضاً لضغوط الذوبان السياسي والاجتماعي داخل المجتمع الأمريكي، فالهوية الإسلامية تمدهم بمصدر دائم للتميز والتفرد والذاكرة الجماعية المستقلة داخل المجتمع الأمريكي.
وكذلك طبيعة تطور هذا الوجود كتطور طبيعي، ليس وليد فترة زمنية محدودة، ولا يرتكز على مؤسسة بعينها أو فرد بذاته أو جماعة سياسية ذات أيدلوجية بعينها، إنما هو تطور طبيعي نتج على مدار فترات تاريخية ممتدة بدأت مع اكتشاف المجتمع الأمريكي ذاته، كما يعتمد في طاقته على قدرات بشرية وفنية من أبناء المسلمين الأكثر قابلية وقدرة على الانخراط في المؤسسات السياسية والإعلامية الأمريكية، كما يرتكز على مئات المساجد والمراكز والتنظيمات، وكذلك على جو من حرية الفكر والعبادة يساعد على التحرك بفاعلية.
سابعاً:أن الدور السياسي للأقليات الإسلامية في المجتمع الأمريكي، يتحرك في الإطار الذي يمكن أن يقود ـ مع الحرص على تفعيل القدرات التي يمتلكها المسلمون في المجتمع الأمريكي ـ إلى مستقبل أفضل، مستقبل يستطيع من خلاله المسلمون الأمريكيون التأثير في صياغة السياسات الأمريكية، الداخلية والخارجية، مستقبل يضمن لهم القدرة ليس فقط على الدفاع حقوقهم ومقدساتهم، ولكن أيضاً السعي نحو تعظيم هذه الحقوق وتلك المكاسب.
وهو ما يتطلب ـ من القائمين والمعنيين بالدور السياسي للأقليات الإسلامية في المجتمع الأمريكي ـ بلورة استراتيجية واضحة تقوم على مبدأي التنوع (في الحاجات والاختصاصات والجماعات وبالتالي في المراكز والهيئات والمنظمات) ، والوحدة (في المنهج وفي الأهداف والغايات) ، حتى يصبح هذا التنوع إثراء للعمل الإسلامي، ودعماً لمسيرته داخل المجتمع الأميريكي