ويقول الخبراء: إن تقنيات المعلومات والاتصالات هي الآن في مرحلة بدائية ، وأنها تتطور بسرعة كبيرة بحيث يبدو حديثنا اليوم عن آثارها وتحولاتها وصدماتها وتداعياتها ساذجاً بدائياً أيضاً ؛ لأنها ستكون بعد عقود من الزمن على درجة من التقدم والتداخل في حياة الناس يصعب تصورها أو تخيل إمكانية تطبيقها، ولكن يمكن اليوم ملاحظة كيف أن المعرفة والمعلومات تحولت من عامل مساعد للسلطة أو مكسب إضافي إلى أنها جوهر السلطة ، ومن ثم فإن الصراع على السلطة سيكون صراعاً على المعرفة ، ولهذا السبب فإن قوانين الملكية الفكرية تأخذ اليوم أولوية قصوى في السياسة الدولية ، وسيكون التنافس أيضاً هو توزيع المعرفة وإمكانية الوصول إليها، وإذا لم نفهم كيف تنتشر المعرفة ومن هم الذين يتلقونها فلن نستطيع أن نحمي أنفسنا من استغلال السلطة ولا إقامة المجتمع الذي نريد، وستكون السيطرة على المعرفة هي العنصر الحاسم في الصراع العالمي والمحلي.
الاقتصاد الجديد يزدهر في ظل قدر أكبر من حرية التعبير وتغذية راجعة أفضل بين الحكام والمحكومين ، ومشاركة شعبية أوسع في صنع القرارات قد يفرز حكومات أقل بيروقراطية وأكثر لامركزية ومرونة ، كما قد يؤدي إلى قدر أكبر من الاستقلال الذاتي للفرد ، ويؤدي إلى تحول السلطة بعيدا عن الدولة ليس بهدق تعجيزها ولكن من أجل إضفاء صبغة إنسانية عليها.
ويربط"توفلر"بين البعث الديني المنتشر في العالم كله وبين أتباع جميع الأديان وبين الكمبيوتر، وقد بدأت هذه التحولات بجماعات الهيبيز التي شنت هجمات ساخطة على القواعد الثقافية للعصر الصناعي بما في ذلك علمانيته ، كما زادت في الغرب موجات التصوف والحكمة وديانات غريبة غير معروفة ، وبالطبع فإن العلمانية التي ارتبطت بالمرحلة الصناعية ستتعرض للانهيار مع أفول نجم المرحلة الصناعية ، وبدء مرحلة جديدة لتحل محلها ثقافات جديدة ، وتتلاقى جميع الموجات الدينية على العداء للعلمانية ورفضها.
ورافق أيضا الموجة الثالثة موجة المعلوماتية تنامي العمل البيئي، مثل جماعات الخضر وحماية البيئة ، والعودة إلى الحياة التقليدية في اللباس والزراعة والطعام لأجل حماية البيئة والموارد وتخفض التلوث ، أو ما يمكن تسميته أصولية بيئية والتي يأخذ بعضها أبعادا متطرفة تجاه كل منتجات الحضارة الحديثة ، ويمكن أن نلاحظ في الوسط العربي ذلك الإقبال الكبير الذي تشهده برامج مريم نور، والتداوي بالأعشاب الذي بدأت تتبناه جامعات ومؤسسات أكاديمية وشركات كبرى لتصينع الأدوية.
وكانت الظاهرة الثالثة الجدية: هي تنامي موجة القوميات والتعصب الوطني وتفشي كراهية الأجانب ، وقد استطاع حزب الحرية النازي في النمسا أن يحصد أكبر حصة في الانتخابات النيابية ، وتعد الحركات اليمينية المتطرفة والمعادية للأجانب أكبر منافس على الحكم اليوم في بلدان أوروبا وأمريكا.
وبالطبع فإن هذه الموجات والظواهر مرشحة للتنامي والتطور في صيغ مختلفة ، فهي مازالت في بداية مسارها وستكون أنظمة الحكم والسياسة من أول ضحايا هذا التطور والتغير، فإلى أين تتجه الديمقراطيات الغربية العريقة على سبيل المثال، وقد رأينا كيف شرعت قوانين في الولايات المتحدة تبيح الاعتقال بدون أدلة علنية وبدون محاكمة، وهو أمر كانت الدعوة إليه أو مجرد الحديث عنه في الغرب يعد جنونا لا يمكن الإصغاء إليه.
ومن أهم تجليات هذه التحولات وتطبيقاتها هو التقدم الياباني المذهل والقائم على المعرفة ، وكيف استطاعت أوروبا بعد أن كانت في المؤخرة وتحتضر اقتصاديا وتقنيا أن تلتقط هذه التحولات فتبني وحدة أوروبية قائمة على العمل الاقتصادي والسياسي والعسكري ، وكان واضحا كيف بدأت تستقل أوروبا عن الولايات المتحدة بل وتتحداها في اتجاه يبشر بقطبية جديدة قد يكون طرفاها أوروبا والولايات المتحدة ، وكانت أوروبا إلى عهد قريب كيانا تابعا للولايات المتحدة ومتطفلا عليه.
إن نتائج وتأثيرات ظاهرة المعلوماتية والعولمة والاتصالات مازالت في بدايتها وتدهشنا وتفاجئنا كل يوم بأحداث وتحولات جديدة وغير متوقعة ، ولكنها صحيحة ومؤثرة وتعيد النظر في كل ما استقرت عليه الدول والمجتمعات والأفراد والقوى الإقليمية والعالمية من تقاليد وأدوات عمل وتنافس وضغط .