فهرس الكتاب

الصفحة 6222 من 27364

ويشارك القساوسة -بشكل فاعل- في هذه الحملة، إلا أن الكثير منهم يحاول أن يغلف حربه في إطار من الموضوعية الزائفة، واضعا بذلك السم في العسل ،ويجسد ذلك القس الإيطالي (كورسانيرو) الذي أدلى بدلوه في هذا المجال، وإن كان أخفى كثيرًا من الحقائق، فهو يقول:"كنا نعيش في مجتمعات مسيحية حتى عقود مضت، وكنا ننظر للزواج بمفهومنا باعتباره سرًا مقدسًا. فالله هو الذي يبارك الشخصين عند زواجهما، أما الآن فيمكن اختيار الزواج المدني البحت". ويشرح ذلك قائلا:"هو عبارة عن عقد بين طرفين، وهو ما يقربنا من مفهوم الزواج الإسلامي. فمن يتزوج في الإسلام لا يرتبط بالطرف المقابل، سواء كان رجلا وامرأة فحسب، وإنما عائلتان تتحدان معا". ويأسف القس على أن الكاثوليك لم يعودوا يفكرون بنفس الطريقة السابقة، ويقول""إن هذا لم يعد واردًا فقد تراجع الكاثوليك، وأصبح الشاب والشابة الكاثوليكيان لهما القرار المنفرد، حتى و إن كان قرارهما متعارضا مع رغبة الوالدين". وهنا يبدو التراجع عن مبدأ الحرية الغربية عندما توضع على المحك. ويضيف"وأعتقد أن سلطة الأبوين أصبح من الصعب ممارستها". ويتابع"هناك مشاكل كثيرة في موضوع الزواج المختلط (زواج المسلمين من الكاثوليكيات) ، ومنه الزواج المؤقت، والذي تفرضه ضرورات الواقع، فهو بالنسبة للمسلم وسيلة للحصول على الجنسية، أو المأوى"كما لا يفرق القس في حديثه بين الزواج الحقيقي وما يسميه بالمؤقت، بل ربما كان الأخير أحب إليه، وعندما قيل له بأن هناك أيضا الزواج الذي يتم بين المسلم و النصرانية بدافع الحب، قال"هذا الزواج الحقيقي"بيد أنه شكك في ذلك بالقول"ليس لدي إحصائيات، ولكن هناك عدم فهم في الزواج المختلط، وصعوبات تعترض زواج المسيحية من مسلم، ونسب انفصال مرتفعة؛ لأن كثيرًا من العلاقات ليست مبنية على الحب، وإنما على المصلحة". وبدأ القس يتحدث عن الفروقات الثقافية والدينية وغياب الأسباب التي كانت مجرد مطية للرفض، وقال:"هناك معطيات تؤخذ كحقائق، ولكنها غير دقيقة، فالموقف الذي يتخذ من المرأة -سواء في أوروبا الشرقية التي تعيش فترة مخاض- يختلف عن وضع المرأة في المغرب مثلا، حيث إن تقبيل يد المرأة غير مقبول". ولو كان القائل إنساناً عادياً لما أثير كلامه أي تعليق، ولكن القس بدأ يتملق مفاهيم المجتمع الغربي رغم بعده عن التعاليم الكنسية، كما لم يتطرق إلى مشاكل الزواج التي تحدث بين الكاثوليكيين أنفسهم، أو بين الإيطاليات والأجانب القادمين من أوروبا الغربية أو الشرقية، والتي تشير الإحصائيات إلى أنها أكثر عدداً وأكبر صعوبة من مشاكل الزواج التي تتم بين المسلمين والكاثوليكيات الإيطاليات، إضافة إلى أن أغلب النساء الإيطاليات اللاتي يتزوجن من المسلمين حوالي 80 % منهن سبق لهن الزواج من إيطاليين، وانفصلن عنهم بسبب الخلافات أو أمور أخرى. مما ينسف الأسس التي بنى عليها القس تصوراته ."

الحرب من الداخل

والغرض الرئيس من تلك الحملة، هو وقف موجة الدخول في الإسلام في الغرب، من خلال تشويه المجتمع الإسلامي والتركيز على ما يراه بعض الغربيين حدا من حرية المرأة، من خلال عدد من كتابات بعض المنتسبين للعرب والمسلمين؛ ليحظوا برضا الغرب، ومن بين تلك الكراسات حكايات أحد المغاربة عن أمه التي بدأ يسرد قصتها، وكيف أنها نشأت في ظل أسرة مسلمة قضت على حريتها الشخصية وفكرها. وكعادة المتحدثين في حقوق المرأة، والذين يتخذون من بعض التقاليد والممارسات الخاطئة مطية للتعدي على قيم المجتمع الكلية والضمير الجمعي للأمة، مغفلين القيم الإسلامية وما أرسته من حقوق للمرأة حرمتها منها ما سواها من قيم، بل تحاول الدعاية الغربية التي تستند بشكل انتقائي لبعض ما يكتبه المنهزمون إلى نماذج خرافية أو شاذة في المجتمعات الإسلامية، وعلى ذلك نجد أن المجتمع الإسلامي يتعرض لغزو شامل، ومحاولة تفكيكه اجتماعيًا وأخلاقياً لا تقل عن محاولات تفكيكه سياسيًا وجغرافيًا، والطابور الخامس موجود في كل مفاصل عالمنا الذي سلمه الاستعمار لتلاميذه من العلمانيين والعملاء في كل القطاعات، وكما هو واضح فإن ما يردده الببغاوات عندنا مصدره مراكز استعمارية في الغرب، وجهاد هذا المسلك لا يقل عن الجهاد في الميادين الأخرى، بل ربما نحن أحوج ما نكون إليه من غيره

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت