فهرس الكتاب

الصفحة 6313 من 27364

وبالإضافة إلى الهم الفرانكفوني الذي تحمله فرنسا على الصعيد المغاربي، أبرزت الأزمة الطاحنة - التي بدأت تعيشها الجزائر منذ بداية التسعينيات - هماً آخر للساسة الفرنسيين، كثيراً ما أقلق مضجعهم في السنوات الأخيرة، وليس هذا الهم سوى الملايين الخمسة من المهاجرين من المغرب العربي، الذين استوطنوا فرنسا، وتحولوا إلى مواطنين في دولتها.

ويبدي الكثير من الساسة الفرنسيين انزعاجهم من أن يشكل المهاجرون المسلمون فيها قواعد خلفية لما يسمونه بـ"الإرهاب"، خصوصاً مع ظهور مؤشرات تدل على أن ولاء هؤلاء المهاجرين ما يزال لأمتهم الأصلية، وأن نقمة بعضهم على مستعمر بلدانهم السابق لا تقل عن نقمة شعوب بلدانهم التي ينحدرون منها، والتي ما تزال تنظر لفرنسا بعين الريبة والشك في نواياها إزاء واقعهم ومستقبلهم.

فرنسا في المشرق العربي

أما في المشرق العربي فإن علاقات فرنسا متميزة مع الدولتين اللتين كانت تحتلهما وهما سوريا ولبنان ، والعلاقات الفرنسية اللبنانية أكثر من متميزة.

وقد حظي الموارنة -على مدى فترات طويلة- بعطف فرنسا ومساعدتها. وخير دليل عليهما، ما جاء في رسالة لويس التاسع -ملك فرنسا- عام 1250م إلى موارنة لبنان:"إننا موقنون أن هذه الأمة التي قامت تحت اسم القديس مارون؛ هي جزء من الأمة الفرنسية".

ويُعيد المؤرخون، الفرنسيون واللبنانيون تاريخ العلاقات (الفرنسيةـ المارونية) إلى الحروب الصليبية؛ بل إلى شارلمان، ولكن من المسلَّم به أن حق فرنسا في حماية الكاثوليك في لبنان يعود إلى معاهدة 1535، وترسخت الحماية الفرنسية بتعهد لويس الرابع عشر عام 1649 بحماية الكنيسة المارونية وطائفتها.

"لبنان أُنشئ لأسباب دينية"، هي خلق ملجأ لمسيحيي الشرق، كما يرى المفكرون الفرنسيون، وهذا هو السبب الأساسي الذي دعا القوى الأوروبية لإنشاء متصرفية جبل لبنان ذي الحكم الذاتي عام 1860، وهو عينه ما دعا فرنسا إلى إنشاء دولة لبنان الكبير عام 1920.

إن سياسة فرنسا في لبنان غذت فيه الانقسام الطائفي، والتجزئة بمختلف أشكالها. لقد شعرت فرنسا بخطر التيار القومي العربي الوحدوي، فعملت على ضربه بشتّى الوسائل، ولم تكتفِ بسلخ مناطق عن سورية وضمها إلى لبنان الدولة التي يهيمن عليها المسيحيون؛ بل عمدت إلى تقسيم سورية نفسها دويلات على أساس طائفي، عيّنت عليها حكاماً فرنسيين؛ فأنشأت دولة في جبل الدروز، وأخرى في اللاذقية وجبال العلويين، ودولة في لواء الإسكندرونة، وأخرى في الداخل السوري. وقد وجدت السياسة الفرنسية أرضاً خصبة في لبنان، لا سيما بين زعماء المسيحيين، الذين استماتوا في المطالبة بالانتداب الفرنسي، مما أشعر سكان المناطق -التي سلخت عن سورية وضمت إلى لبنان- بالظلم الذي سيلحق بهم، من جراء تسلط الانتداب الفرنسي، ومحاباته لفئة من أبناء وطنهم.

ولم يترك الفرنسيون مجالاً لزرع الفتن بين الطوائف، إلاّ استغلّوه؛ فلم يترددوا في سياسة قهر المناطق الإسلامية، وحرمانها أبسط حقوقها الاقتصادية، في مقابل تنمية المناطق والقطاعات التي تتلاءم مع أهدافهم التجارية؛ فحصل المسيحيون منها على نصيب الأسد، أمّا المسلمون الذين رفضوا منذ البداية التعاون مع الانتداب؛ فاستغلّوا عيوبه، ونادوا بالانفصال عن لبنان. ولم تقتصر التفرقة على المسيحيين والمسلمين، بل تعدّتهما إلى المسيحيين أنفسهم، فالروم الأرثوذكس، امتعضوا من العناية الخاصة، التي أظهرها الفرنسيون نحو الموارنة، وأحجموا عن إظهار الولاء الكامل لدولة كان الموارنة فيها العنصر المسيطر.

وهكذا فإن العلاقة المتميزة بين فرنسا وموارنة لبنان هي العنصر الحاكم في العلاقات الفرنسية اللبنانية، وهذا ما يفسر لجوء العماد ميشيل عون وأمثاله إلى فرنسا ، وتدخل باريس لعدم القبض عليه، بعد الجرائم التي ارتكبها، ثم لجوؤه إلى السفارة الفرنسية في بيروت ومنها إلى باريس.

وما تعقده فرنسا من مؤتمرات لإعادة إعمار لبنان لا يغيب عن هذا السياق الحاكم.

حديث عن المستقبل

بقي أن نقول: إن مستقبل العلاقات العربية الفرنسية لا يؤهلها أن ترتقي لمستوى التحالف؛ لأن فرنسا لها ثوابتها التي حددناها سواء بالنسبة للمغرب العربي، أو المشرق العربي، أو القضية الفلسطينية.

وفرنسا من ناحية أخرى دولة أوروبية استعمارية، ورائدة التنصير في العالمين العربي والإسلامي. فرنسا تبحث عن مصالحها وتريد أن تكسر الهيمنة الأمريكية على العالم بالتعاون مع ألمانيا، وهي تطلب المساعدة العربية، لكن العرب لا يقتربون منها خوفاً من أمريكا!.

هناك مصلحة عربية في تحالف مؤقت مع فرنسا طالما أن المصالح الفرنسية الأمريكية مختلفة، ولكن القرار لا يملكه العرب، وأغلب الظن أنهم سيفوتون الفرصة وسيفضلون السر الأمريكي على شق عصا الطاعة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت