فهرس الكتاب

الصفحة 6352 من 27364

في أعقاب هذه المرحلة ، مرحلة الصدمة ، بدأت الأمة تعاني من اختراق فكري وعقيدي وأخلاقي واسع النطاق ، من خلال ظهور تيارات سياسية وافدة مثل الحركات القومية العلمانية ، والحركات الشيوعية ،وتيارات الإلحاد الديني ، وهي تيارات كانت تستلهم مددها وحيويتها من مجمل الأوضاع المحيطة بها في العالم الإسلامي ، أكثر مما تملكه من فكر أو رأي أو مصداقية ، فقد استمدت الحركات الشيوعية قوتها من مظاهر البؤس الاجتماعي التي كانت تعيشها جماهير الأمة ، وكذلك الظلم السياسي ونحو ذلك ، في الوقت الذي لم يتقدم الفكر الإسلامي بطرح بديل يواكب هذه التحديات الجديدة ، والوعي بها في المجتمع الإسلامي ، وكان من أسوأ المواقف التي وجد الفكر الإسلامي نفسه فيها أن يكون موقفه هو الموقف الدفاعي ضد الشيوعية كعقيدة ملحدة ومخربة للقيم الاجتماعية والأخلاقية ، وهي كانت بالفعل كذلك ، ولكنها كانت أيضا مشروعا للتحرر الاجتماعي والعدالة ونحو ذلك ، وكان من المفترض أن يتقدم الفكر الإسلامي بطرح بديل يقطع الطريق على متاجرة هذا التيار الإلحادي بالقضية الاجتماعية ، وهو ما لم يحدث إلا في فترات متأخرة ، في أوائل النصف الثاني من القرن العشرين ، عندما كتب سيد قطب ـ على سبيل المثال ـ العدالة الاجتماعية في الإسلام ، وكتب الغزالي ومصطفى السباعي وغيرهم ، وهو ما سوف نعود إليه . وكذلك كانت تيارات المد القومي الجديدة ، والتي نبتت أساسا بالشام ، فالتحمت ـ بحكم المولد والمخاض ـ بالخلفية الطائفية ، حيث برزت الحركة القومية على يد عناصر مسيحية ، كان لها بالضرورة حساسية خاصة مع الإسلام والفكر الإسلامي ، وبالتالي ، ولدت فكرة القومية متباعدة عن الإسلام ومفارقة له ، وبمرور الوقت والتقارب بين التيار القومي والتيارات اليسارية ، حملت الحركة القومية بأبعاد معادية للدين وكارهة لأي دور له سياسيا أو اجتماعيا أو تشريعيا ، ومرة أخرى لم يملك الفكر الإسلامي طرحا بديلا ، يملك الحيوية والجرأة وروح التقدم ، لقطع الطريق على هذا الانحراف بالوعي القومي، وقد كان الأمر ميسورا تماما ، لاحتواء الروح القومية التي تنامت في أعقاب تولي الكماليين للسلطة في تركيا ، ولكن الفكر الإسلامي كان ما زال في أجواء الصدمة ، والرغبة على الحفاظ على الأصالة والهوية ، دون بذل جهد جاد وحقيقي لدعم هذه الهوية في عالم جديد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت