أما المفكر الإسلامي د. محمد يحيى فيقول: إن العلمانيين أنفسهم يقولون بامتلاك الحقيقة المطلقة، فأي علماني سواء كان ماركسياً أو ليبرالياً أو قومياً سوف نجده يقول مذهبي هو الحق المطلق وما عداه باطل ورجعي ومخالف لحقوق الإنسان ، والدليل على ذلك أن هذه المذاهب حينما حكمت في بلاد عربية وغير عربية تصرفت وكأنها تحتكر الحقيقة المطلقة، ومن يقول بغير ما تقول تنهيه من الوجود، وقد رأينا هذا في الاتحاد السوفييتي السابق، وفي البلاد التي عانت من الشيوعية، كذلك رأينا هذا الأمر تمارسه الأحزاب العربية القومية التي وصلت إلى الحكم، حيث اضطهدت الآخر الفكري وقهرته، وما ذلك إلا أنها تدعي امتلاك الحقيقة المطلقة، وبالتالي فلابد أن يؤمن بها كل الناس وإلا واجهوا مصيرهم المحتوم .
إننا إذا كنا نتحدث عن القيم العليا الحاكمة للوجود فإن هذه الأمور بطبيعتها لا تحتمل إلا الحقيقة المطلقة، والجميع يزعمون أنهم يمتلكون الحقيقة المطلقة فلماذا اتهام الإسلاميين دون غيرهم بذلك؟.
أما إذا كنا نتحدث عن أمور الحياة المختلفة وتدبير المعايش وتنظيم قوانين تحكم حياة الناس مثل قانون المرور والمباني -الخ؛ فالإسلاميون لم يقولوا بامتلاك الحقيقة المطلقة في ذلك .إن اليهود والنصارى يقولون بامتلاك الحقيقة المطلقة في شأن قيم الوجود العليا وكذلك الشيوعيون فلماذا اتهام الإسلاميين فقط بذلك؟.
وعن إسقاط المرجعية الواحدة والإيمان بتعدد المرجعيات يقول د. محمد يحيى:إن المرجعية معناها مجموعة من المبادئ المتسقة فيما بينها يمكن العودة إليها واستمداد المبادئ والقيم منها.
والعلمانيون يطالبوننا بتعدد المرجعيات في الوقت الذي لا يوجد عندهم تعدد مرجعيات، فالعلماني الليبرالي لديه مرجعية واحدة هي الإيمان بالحياة النيابية التي ينتج عنها سلطة تشريع وحكم ثم مراعاة مجموعة من حقوق الإنسان، ولو كانوا صادقين في تعدد المرجعيات لآمنوا بمرجعيتنا الإسلامية كإحدى هذه المرجعيات وهي تفرض عليهم بدورها أموراً معينة، لكنهم يأتون إلى المرجعية الإسلامية ويرفضونها .
كذلك فإن الماركسي مرجعيته الأساسية هي الفكر المادي وعدم وجود إله وهدم الإيمان بالغيبيات، وإنما الإيمان بالقيم المادية التي تحكم الكون، ودعاة القومية العربية مرجعيتهم الأساسية تحقيق مصالح الشعب العربي أياً كانت وهي عادة مصالح مادية ،وهكذا فإن العلمانية على تعدد فصائلها لا تؤمن بتعدد المرجعيات .
وعن مطلب العلمانيين بتخلي الإسلاميين عن مقولة الدين الغالب والفرقة الناجية
يقول د. محمد يحيى: إنه إذا كان المقصود أن هذا الدين الغالب يتم التبشير به من خلال الدعوة إليه فهذا شيء لا ننكره، بل هو من صلب الإسلام الذي هو رسالة عالمية ، كما أن الأديان والمذاهب العالمية تقوم بالتبشير والدعوة لمبادئها، أما إذا كان المقصود بالدين الغالب أنه الدين الذي يقمع الآخرين ويتخذهم عبيداً ،فالإسلام آخر دين يمكن اتهامه بذلك؛ لأنه أعظم من حمى حقوق الآخرين وحافظ عليها ، والأقليات الدينية في البلاد الإسلامية أحسن الأقليات حظاً في العالم.
أما مفهوم الفرقة الناجية فهو مفهوم عام يقصد الالتزام بقواعد الدين وكلياته والبعد عن الابتداع والتحريف ، وليست هناك جماعة إسلامية تقول إنها الفرقة الناجية بصرف النظر عن الغلاة المرفوضين من داخل الصف الإسلامي نفسه، ومقولة الفرقة الناجية موجودة في كل الأديان ، ففي المسيحية كانت هناك ثلاث فرق، بل يمكن القول إنها ليست فرقاً بل أدياناً مختلفة تماماً، وكذلك في اليهودية هناك دينان رئيسيان، وما أكثر تعدد مذاهب الماركسية، أما الإسلام فإن الاختلاف في إطاره بقي محكوم بمبادئ عامة وكليات لم يتجاوزها.