فهرس الكتاب

الصفحة 6461 من 27364

-على الجانب الآخر فإن الناخبين من ذوي الاتجاه العلماني تجمعوا وراء حزب الشعب الجمهوري مولين ظهورهم لبقية الأحزاب العلمانية، فجاءت النتيجة على الوضع الذي عايناه .

وتواجه حكومة حزب العدالة والتنمية - إن سمح له الجيش بتشكيلها - تحديات بالغة الصعوبة على الصعيد الداخلي والدولي ، فقد تركت له الحكومات العلمانية المتعاقبة وآخرها حكومة (بولنت أجاويد) البلاد في حالة من الانهيار الاقتصادي والإحباط والضيق الاجتماعي والتخبط السياسي لم تشهده على امتداد تاريخها منذ نشأة الجمهورية التركية على يد مصطفى كمال عام 1923م.

أولا/ على الصعيد الاقتصادي:

تعاني البلاد منذ أكثر من عامين من أصعب أزمة اقتصادية منذ الحرب العالمية الثانية، فقد تراجع الدخل القومي وبلغ مجموع الديون الداخلية والخارجية - وفق الإحصاءات الرسمية - 220مليار دولار ( مائتين وعشرين مليار دولار ) وهو أثقل دين في تاريخ الدولة التي عجزت عن سداده، مما اضطرها لمحاولة سد الدين بديون جديدة .

هذا الوضع الكارثي أدى بلا شك إلى إفلاس آلاف المصانع والمؤسسات التجارية وبالتالي مفاقمة مشكلة البطالة المزمنة.

وقد كانت المواجهات الدامية التي تفجرت قبل عام بين قوات الأمن التركية وجموع الغاضبين من أجل"قوتهم"هي الشرارة التي أكدت عمق الأزمة التي وضعت حكومة أجاويد فيها البلاد، وكانت تلك المواجهات أشبه بثورة شعبية قادها كبار التجار من أصحاب رؤوس الأموال، ورأس المال كما يقولون"جبان"ويتحسب صاحبه حركته جيدًا، فإذا غضب وثار فلابد أن هناك طوفانًا يجرف مصالحه وأمواله، وقد تجمع يومها أكثر من 25ألف تاجر في مظاهرة غاضبة باسطنبول متحدين الأمر العسكري بمنع التجمعات، في الوقت الذي شهدت فيه 25محافظة تركية أخرى مظاهرات مماثلة سبقتها مصادمات دامية بين جموع الغاضبين والشرطة سقط فيها مائتا جريح بينهم خمسين شرطيًا !

وبينما كانت جمعية كبار رجال الأعمال توجه انتقادات موجعة للحكومة مطالبة برفع الحصانة عن الوزراء والنواب المفسدين، كان نواب حزب الفضيلة تحت قبة البرلمان يُحمٍّلون الجيش مسؤولية ما حدث من كارثة اقتصادية بتدبيرهم الانقلاب السلمي على حكومة نجم الدين أربكان .

حكومة أربكان:

وهنا استحضر مشهد تسلم أربكان لرئاسة الحكومة في يناير 1996م بعد أن حصل حزب الرفاه على المرتبة الأولى من أصوات الناخبين في انتخابات ديسمبر 1995م ثم إقالته أو إجباره على الاستقالة من قبل المؤسسة العسكرية العلمانية المتسلطة بعد ستة عشر شهرًا من أزهى فترات الحكم لتركيا ..

وأجدني مضطرًا لفتح سجل إنجازات هذه الحكومة الرسمي، مستعينا بما سمعته من أربكان نفسه أكثر من مرة .

فقد تسلم الرجل الحكومة وديون تركيا 48مليار دولار، يذهب نصفها لجيوب اللصوص تحت بند خدمة الدين..التضخم 100% والبنوك المأزومة تقترض من المافيا بفائدة خيالية وصلت 150% وقيمة الدولار أمام الليرة أصبحت 500ألف ليرة بعد أن كانت 16ليرة في السبعينيات.

وخلال ستة أشهر فقط أوجدت حكومة أربكان أربع محافظ استثمارية قيمتها 40مليار، دولار تم توفيرها من السرقات والسفه والهدر الحاصل على جميع المستويات، وتم تسديد 10مليارات دولار من الدين الداخلي، وتم وقف إصدار قوانين بضرائب جديدة، كما توقف الاقتراض من الخارج، وتم رفع مرتبات الجيش 50% . ولأول مرة في تاريخ تركيا تم تقديم ميزانية متوازنة للدولة عام 1997م لا أثر للدين أو للضرائب فيها، بعد أن تم سد كل منافذ الفساد

هنا تحركت كتائب الفساد مع كتائب العسكر لإزالة الرجل وحكومته، خاصة بعد أن رصدت وزارة الخارجية الأمريكية عليه ثلاث"جرائم"بالنسبة لها:

تحسين الوضع الاقتصادي وبالتالي استغناء تركيا عن واشنطن.

إنشاء مجموعة الثمانية - من أكبر ثماني دول إسلامية - وهو ما يمثل توازنًا عالميًا جديدًا .

هذا النجاح الكبير يحرض الحركات الإسلامية في العالم لتحذو حذوه وهذا هو عين الخطر .

ومن هنا جاء قرار المؤسسة العلمانية العسكري بحل حزب الرفاه وإجبار أربكان على تقديم استقالته بل وعزله سياسيًا لمدة خمس سنوات، ومازالت توضع أمامه العراقيل للعودة للحياة السياسية بحزبه أو منفردًا .

لكن في كل الأحوال فإن تجربة حكومة"الرفاه"بزعامة أربكان تظل رصيدًا مهمًا لحزب العدالة على الصعيد الاجتماعي وصعيد التجربة فقد شاركت كوادره من قبل في إنجازات حكومة الرفاه وكان الطيب أردوغان يومها رئيسا لبلدية اسطنبول.

ثانيا / على الصعيد السياسي:

منذ انتقال البلاد إلى النظام الديمقراطي قبل خمسة وثلاثين عامًا ( عام 1967م ) شهدت تسعة انتخابات مبكرة كان من بينها الانتخابات الثلاثة الأخيرة ( 1996- 1999- 2002) ، فيما تدخلت المؤسسة العسكرية التي تعد نفسها حامية النظام العلماني لقلب نظام الحكم ثلاث مرات، وفض حكومات اعتبرتها مهددة للنظام العلماني ومنها الحكومة التي شارك نجم الدين أربكان الذي أودع السجن بعد حل حزبه"السلامة".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت