فهرس الكتاب

الصفحة 658 من 27364

ويمكن للإدارة الاميركية الحالية، أو أي إدارة لاحقة، أن تتذرع بهذه الاستراتيجية لتوجيه ضربة وقائية ضد أي دولة بحجة أنها تقوم بالتحضير لهجمات ضد الولايات المتحدة، أو أنها تقوم باحتضان أو إيواء أو تمويل منظمات إرهابية، أو لمجرد أنها مدرجة على لائحة الإرهاب الاميركي. وانطلاقًا من استراتيجية الضربات الوقائية، أصبح بمقدور الرئيس الأميركي توجيه ضربات عسكرية ضد ما تسميه واشنطن بمحور الشر متى يحلو له الأمر، كما أصبح بمقدور أرييل شارون أن يتحين الفرصة السانحة للمشاركة في استراتيجية الضربات الوقائية والإفادة منها بهدف توجيه ضربات خاصة به ضد لبنان وسوريا بغطاء أميركي، وبحجة التهديدات التي تشكلها المنظمات الفلسطينية ضد أمن إسرائيل.

كما أن هذا المبدأ يعكس تراجعًا عن إحدى أولويات السياسة الخارجية للولايات المتحدة التي كانت قد استقرت في عهد الرئيس جورج بوش الأب بعد نهاية الحرب الباردة، وزوال الاتحاد السوفييتي عام 1989م وتبلورت أكثر في عهد خلفه كلينتون، وهي اعتبار الاستقرار الإقليمي مصلحة حيوية ومصلحة أمن قومي للولايات المتحدة، وأن هذا يتحقق عن طريق حل الأزمات والنزاعات الإقليمية بينما من شأن تطبيق هذا المبدأ زعزعة الاستقرار الإقليمي، وتراجع أولوية حل النزاعات والأزمات؛ لأنه مبدأ يخلق أزمات جديدة من خلال ما يسمى بالضربات الوقائية، والتدخل الدفاعي، أي أن الاستقرار الإقليمي يتحول من أولوية عاجلة، إلى هدف مؤجل.

لقد شكل هذا التحول الذي عبر عنه الرئيس بوش تطور مهمًا وخطيرًا في الآن ذاته؛ فهو في جانب يعكس حجم التغيير الذي أصاب الفكر الاستراتيجي الأمريكي بعد هجوم 11 سبتمبر الدامي، وفي جانب آخر يوضح المدى الذي باتت الولايات المتحدة مقبلة عليه في علاقاتها الخارجية. ونتج عن ذلك قبل ذلك منذ أسابيع قليلة ذلك التسريب المتعمد لخبر توقيع الرئيس بوش أمرًا رئاسيًا يتيح لوكالة المخابرات الأمريكية العمل في العراق من أجل إسقاط نظام الحكم فيه، حتى لو وصل الأمر إلى اغتيال الرئيس صدام نفسه.

ومثل هذه الأساليب التدخلية ليست أمرًا جديدًا في السياسة الأمريكية من الناحية التاريخية؛ فقد كانت موجودة من قبل، واستخدمت في حالات شهيرة مثل حالة إيران زمن الرئيس مصدق، وفي تشيلي نهاية السبعينيات، وحالات أخرى في إفريقيا وأمريكا اللاتينية.

بيد أن الولايات المتحدة نفسها تخلت عنها طواعية في ولاية الرئيس فورد الذي أصدر أمرًا رئاسيًا منع الاستخبارات الأمريكية من التدخل لتغيير نظم الحكم في الدول الأخرى أو اغتيال الزعماء، أو غير ذلك من الأساليب الخفية.

هذه النقلة ستجبر المؤسستين العسكرية والاستخبارية الأميركية على تنفيذ تبدلات واسعة في تركيبتهما وسياساتهما وذلك على مستويين:

الأول: مستوى المفاهيم حيث سيتطلب الأمر تغيير العقلية العسكرية الأميركية التي تعتبر الهجمات المفاجئة عملية غير مشرّفة.

والثاني: مستوى العتاد؛ لأن الهجمات الوقائية تحتاج إلى أنواع جديدة من الأسلحة لجعل القوات الأمريكية أكثر مرونة في الحركة وأكثر قدرة على الفتك السريع.

وبدأ البنتاغون بالفعل وضع الدراسات حول كيفية شن حروب من دون إنذار مسبق تتجاوز بكثير مفهوم الغارات الجوية السريعة، وتعطي دورًا كبيرًا للقوات الخاصة الأمريكية وحتى للمارينز والوحدات البرية.

وعلى رغم أن المبدأ يضع استخدام الأسلحة النووية في آخر سلم أولوياته، إلا أنه لا يستبعدها تمامًا بصفتها فكرة لا يمكن التفكير بها؛ إذ يمكن للقوات الاميركية كخيار أخير ان تستعمل أسلحة نووية تكتيكية محدودة القوة الحرارية لضرب مخابئ ومستودعات الأسلحة البيولوجية والصاروخية.

والأهم من هذا وذاك أن الاستراتيجية الجديدة ستلغي مفهوم شن حربين إقليميتين في وقت واحد على نمط حرب الخليج الثانية لمصلحة مفهوم أوسع بكثير: القدرة على الحركة العسكرية في 60 دولة في آن وإن كان ذلك بمستويات منخفضة الوتيرة.

وهذا لا يعني فقط العراق الذي سيكون حتمًا الهدف الأول لها أيضًا، ولا احتمال استهداف أهداف أخرى في بعض الدول العربية التي تمتلك برامج أسلحة دمار شامل، بل أولًا وأساسًا عن احتمال حدوث تطابق كامل بين التوجهات الاستراتيجية الأميركية الجديدة، والتوجهات الإسرائيلية القديمة المتعلقة بمبدأ الهجوم الوقائي.

وهذا التطابق قد يحدث لسببين:

الأول: أن العقيدة العسكرية الإسرائيلية تستند منذ 50 عامًا، ولا تزال، إلى فكرة الحرب الاستباقية أو الوقائية، وهي طوّرت من أجل هذا الغرض سلسلة طويلة من قواعد العمل، وأنماط الأسلحة، وغرف التخطيط التي يمكن أن تفيد منها للغاية المؤسسة العسكرية الأميركية.

والثاني: أن معظم الحروب الوقائية الأميركية الجديدة ستحدث على الغالب على امتداد الرقعة الجغرافية الشرق أوسطية؛ وهنا سيكون دور إسرائيل كبيرًا، إما في شكل حروب وقائية تقوم بها هي نفسها لمصلحة واشنطن، وإما في صيغة حروب، عسكرية أو استخبارية مشتركة مع الولايات المتحدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت