فهرس الكتاب

الصفحة 6583 من 27364

أما التغريب: فقد نشأت عند ساسة الغرب بعد فشل بعض الحملات العسكرية فكرة شيطانية، وهي أنه ينبغي أن تكون الجيوش بعيدة عن المواجهات؛ لأنها تثير ردود فعل عنيفة، وأنه ينبغي عليهم أن يبذلوا الأسباب لتستسلم الأمم المسلمة للثقافة والحضارة الغربية بنفسها طواعية، وبذلك نشأت فكرة التغريب، وأساسها تذويب الشخصية المسلمة في الشخصية الغربية بحيث لا ترى إلا بالمنظور الغربي، ولا تعجب إلا بما يعجب به الغرب، وتبتعد عن قيمها وعقائدها وأخلاقها المستمدة من شريعة الإسلام، وتعتنق هذه الديانة الجديدة التغريبية، وتدخل في عجلة الاستهلاك الاقتصادي التي يروج لها الغرب.

فبرامج التغريب تحاول أن تخدم هدفاً مزدوجاً، فهي تحرس مصالح الاستعمار بتقريب الهوة التي تفصل بينه وبين المسلمين نتيجة لاختلاف القيم، ونتيجة للمرارة التي يحسها المسلم إزاء المحتلين لبلاده ممن يفرض عليه دينه جهادهم، وهي في الوقت نفسه تضعف الرابطة الدينية التي تجمع المسلمين وتفرق جماعتهم التي كانت تلتقي على وحدة القيم الفكرية والثقافية، أو بتعبير أشمل وحدة القيم الحضارية.

فهذا هو التغريب: أي تذويب الأمة المحمدية بحيث تصبح أمة ممسوخة: نسخة أخرى مكررة من الأمة الغربية الكافرة، غير أن هناك فرق فالأمة الغربية هي الأمة القائدة الحاكمة المتصرفة، والأمم الأخرى هي الأمم التابعة الذليلة المنقادة لما يملى عليها، فهذا هو التغريب . وتغريب المرأة المسلمة جزء من مخطط شامل لتغريب الأمة في كل أمورها .

يقول الدكتور محمد محمد حسين رحمه الله:' وكانت برامج التغريب تقوم على قاعدتين أساسيتين - يعني عند المستعمرين الأولين:

الأولى: اتخاذ الأولياء والأصدقاء من المسلمين، وتمكينهم من السلطة، واستبعاد الخصوم الذين يعارضون مشاريعهم، ووضع العراقيل في طريقهم، وصد الناس عنهم بمختلف السبل .

القاعدة الثانية: التسلط على برامج التعليم، وأجهزة الإعلام والثقافة عن طريق من نصبوه من الأولياء، وتوجيه هذه البرامج بما يخدم أهدافهم، ويدعم صداقتهم' .

مظاهر تغريب المرأة المسلمة:

وهي كثيرة يصعب استقصاؤها، ولكن نذكر من أهمها:

1-الاختلاط في الدراسة وفي العمل: ففي معظم البلدان الدراسة فيها دراسة مختلطة، والأعمال أعمال مختلطة، ولا يكاد يسلم من ذلك إلا من رحم الله، وهذا هو الذي يريده التغريبيون، فإنه كلما تلاقى الرجل والمرأة كلما ثارت الغرائز، وكلما انبعثت الشهوات الكامنة في خفايا النفوس، وكلما وقعت الفواحش، لاسيما مع التبرج، وكثرة المثيرات، وصعوبة الزواج، وضعف الدين، وحين يحصل ما يريده الغرب من تحلل المرأة، تفسد الأسرة وتتحلل، ومن ثم يقضى على المجتمع ويخرب من الداخل، فيكون لقمة سائغة .

وإذا بدأ الاختلاط فلن ينتهي إلا بارتياد المرأة لأماكن الفسق والفجور مع تبرج وعدم حياء، وهذا حصل ولا يزال فأين هذا من قول صلى الله عليه وسلم حين خرج مِنْ الْمَسْجِدِ فَاخْتَلَطَ الرِّجَالُ مَعَ النِّسَاءِ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ r لِلنِّسَاءِ: [اسْتَأْخِرْنَ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكُنَّ أَنْ تَحْقُقْنَ الطَّرِيقَ عَلَيْكُنَّ بِحَافَّاتِ الطَّرِيقِ] فَكَانَتْ الْمَرْأَةُ تَلْتَصِقُ بِالْجِدَارِ حَتَّى إِنَّ ثَوْبَهَا لَيَتَعَلَّقُ بِالْجِدَارِ مِنْ لُصُوقِهَا بِهِ[. رواه أبو داود، وحسنه الألباني في الصحيحة 854 .

2-التبرج والسفور:

والتبرج: أن تظهر المرأة زينتها لمن لا يحل لها أن تظهرها له. والسفور: أن تكشف عن أجزاء من جسمها مما يحرم عليها كشفه لغير محارمها . وهذا التبرج والسفور لا يكاد يخلو منهما بلد من البلدان الإسلامية إلا ما قل وندر، وهذا مظهر خطير جداً على الأمة المسلمة، فبالأمس القريب كانت النساء محتشمات يصدق عليهن لقب: ذوات الخدود. ولم يكن هذا تقليداً اجتماعياً، بل نبع من عبودية الله وطاعته، ولا يخفى أن الحجاب الشرعي هو شعار أصيل للإسلام، ولهذا تقول عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا:'يَرْحَمُ اللَّهُ نِسَاءَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلَ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ ...وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ... [31] } [سورة النور] . شَقَّقْنَ مُرُوطَهُنَّ فَاخْتَمَرْنَ بِهَا'رواه البخاري. ولهذا كان انتشار الحجاب أو انحساره مقياساً للصحوة الإسلامية في المجتمع ودينونة الناس لله، وكان انتشاره مغيظاً لأولئك المنافقين المبطلين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت