فهرس الكتاب

الصفحة 6624 من 27364

من هنا بدأ الناس هناك يبحثون عن مهرب لهم من سجن الكنيسة ومن طغيانها، ولم يكن مخرجهم الذي اختاروه إذ ذاك، إلا الخروج على ذلك الدين - الذي يحارب العلم ويناصر المجرمين - والتمرد عليه، وإبعاده وطرده، من كافة جوانب الحياة السياسية، والاقتصادية، والعلمية، والأخلاقية، وغيرها .

وإذا كان هذا الذي حدث في بلاد الغرب النصراني ليس بغريب ، فإنه غير ممكن في الإسلام، بل ولا متصور الوقوع، فوحي الله في الإسلام لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فلا هو ممكن التحريف والتبديل، ولا هو ممكن أن يُزاد فيه أو يُنقص منه، وهو في الوقت نفسه لا يحابي أحدًا، سواء كان حاكمًا أو محكومًا، فالكل أمام شريعته سواء، وهو أيضًا يحافظ على مصالح الناس الحقيقية، فليس فيه تشريع واحد يُعارض مصلحة البشرية، وهو أيضًا يحرص على العلم ويحض عليه، وليس فيه نص شرعي صحيح يُعارض حقيقة علمية، فالإسلام حق كله، عدل كله.

ومن هنا فإن كل الأفكار والمناهج التي ظهرت في الغرب بعد التنكر للدين والنفور منه، ما كان لها أن تظهر، بل ما كان لها أن تجد آذانًا تسمع في بلاد المسلمين، لولا عمليات الغزو الفكري المنظمة، والتي صادفت في الوقت نفسه قلوبًا من حقائق الإيمان خاوية، وعقولاً عن التفكير الصحيح عاطلة، ودينًا في مجال التمدن ضائعة متخلفة .

صور العلمانية:

للعلمانية صورتان، كل صورة أقبح من الأخرى:

الصورة الأولى: العلمانية الملحدة: وهي التي تنكر الدين كلية، وتنكر وجود الله الخالق، ولا تعترف بشيء من ذلك، بل وتحارب وتعادي من يدعو إلى مجرد الإيمان بوجود الله، وهذه العلمانية على فجورها ووقاحتها في التبجح بكفرها، إلا أن الحكم بكفرها أمر ظاهر، فلا ينطلي أمرها على المسلمين ، ولا يُقبل عليها من المسلمين إلا رجل يريد أن يفارق دينه، وخطر هذه الصورة من العلمانية من حيث التلبيس على عوام المسلمين خطر ضعيف، وإن كان لها خطر عظيم من حيث محاربة الدين، ومعاداة المؤمنين وحربهم وإيذائهم بالتعذيب، أو السجن أو القتل .

الصورة الثانية: العلمانية غير الملحدة- والعلمانية في جميع صورها وأشكالها هي في الحقيقة ملحدة ، سواء منها ما ينكر وجود الله ، وما لا ينكر ؛ لأن أصل الإلحاد في لغة العرب معناه: العدول عن القصد ، والميل إلى الجور والانحراف . وإنما قلنا علمانية ملحدة ، وغير ملحدة ، جريًا على ما اشتهر عند الناس اليوم: أن الإلحاد يطلق على إنكار وجود الله فقط:

وهي علمانية لا تنكر وجود الله ، وتؤمن به إيمانًا نظريًا: لكنها تنكر تدخل الدين في شئون الدنيا، وتنادي بعزل الدين عن الدنيا، وهذه الصورة أشد خطرًا من الصورة السابقة؛ من حيث الإضلال والتلبيس على عوام المسلمين، فعدم إنكارها لوجود الله ، وعدم ظهور محاربتها للتدين- فكثير من الناس لا يظهر لهم محاربة العلمانية غير الملحدة للدين؛ لأن الدين انحصر عندهم في نطاق بعض العبادات ، فإذا لم تمنع العلمانية مثلاً الصلاة في المساجد، أو لم تمنع الحج إلى بيت الله الحرام؛ ظنوا أن العلمانية لا تحارب الدين، أما من فهم الدين بالفهم الصحيح، فإنه يعلم علم اليقين محاربة العلمانية للدين، فهل هناك محاربة أشد وأوضح من إقصاء شريعة الله عن الحكم في شتى المجالات- وهذا يغطي على أكثر عوام المسلمين حقيقة هذه الدعوة الكفرية، فلا يتبينون ما فيها من الكفر؛ لقلة علمهم ومعرفتهم الصحيحة بالدين، ولذلك تجد أكثر الأنظمة الحاكمة اليوم في بلاد المسلمين أنظمة علمانية، والكثرة الكاثرة، والجمهور الأعظم من المسلمين لا يعرفون حقيقة ذلك .

ومثل هذه الأنظمة العلمانية اليوم، تحارب الدين حقيقة، وتحارب الدعاة إلى الله، وهي آمنة مطمئنة أن يصفها أحد بالكفر والمروق من الدين؛ لأنها لم تظهر بالصورة الأولى، وما ذلك إلا لجهل كثير من المسلمين، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعلمنا وسائر المسلمين ، وأن يفقه الأمة في دينها حتى تعرف حقيقة هذه الأنظمة المعادية للدين. ولهذا فليس من المستبعد أو الغريب عند المسلم الفاهم لدينه أن يجد في كلمات أو كتابات كثير من العلمانيين المعروفين بعلمانيتهم ذكر الله سبحانه وتعالى، أو ذكر رسول صلى الله عليه وسلم ، أو ذكر الإسلام، وإنما تظهر الغرابة وتبدو الدهشة عند أولئك الذين لا يفهمون حقائق الأمور .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت