ويطلق على هذا الفكر في اللغة الانجليزية التي هي لغته الأصلية SECULA r ISM ، وهي تعني (اللاَّدينية ) ، غير أنها اشتهرت باسم ( العلمانيّة) ، ولعلَّ ذلك كان مقصوداً بغيةَ إلباسها لبوساً يجعلها مقبولة بين المسلمين0
وفي قاموس (أكسفورد) عرفت بما يلي:
( العلمانيَّة مفهوم يرى ضرورة أن تقوم الأخلاق والتعليم على أساس غير ديني ) 0
الأركان التي تقوم عليها العلمانية:
العلمانية تقوم على ثلاثة أركان هي:
الركن الاول: قصر الإهتمام الإنساني على الدنيا فقط ، وتأخير منزلة الدين في الحياة ، ليكون من ممارسات الإنسان الشخصيَّة ، فلايصح أن يتدخل في الحياة العامة ، وأما الدار الآخرة فهي لما كانت أمر وراء الطبيعة ، فينبغي ـ في دين العلمانية ـ أن يكون مفصولا تماما عن التأثير في الحياة المادية ، وقوانينها المحسوسة 0
الركن الثاني: فصل العلم والأخلاق والفكر والثقافة عن الإلتزام بتعاليم الدين ، أيِّ دين كان 0
الركن الثالث: إقامة دولة ذات مؤسسات سياسية على أساس غير ديني0
كيف وصلت العلمانيّة إلى العالم الإسلاميِّ والكويت:
بيَّنا معنى العلمانية في أصل منشئها ، وقد نقلت كذلك بهذا المعنى إلى بلاد الإسلام ، مع الإستعمار الاوربيِّ الذي هيمن على البلاد الإسلاميّة إثر سقوط الدولة العثمانيّة ، وقد تحمّل الدعوة إلى العلمانيّة بعض المثقفين من العرب وغيرهم في بلاد الإسلام ، ودعوا إلى تطبيق نظريّاتها حرفيّا ، كما دعوا إلى تبنِّي نظرة العلمانيّة لدين الإسلام ، كما كانت تنظر للدين النصرانيِّ المحرف في أوربا سواء بسواء ، ذلك أن العلمانيّة لاتفرّق بين الأديان في أنه يتحتَّم فصل كلِّ منها عن شئون الحياة العامَّة السياسيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والتشريعيَّة 00الخ 0
وذلك أنَّه ليس في الفكر العلمانيّ تمييز بين الأديان ، فلايفرّق بين دين أصله من إنزال الله تعالى ، وآخر من وضع البشر ، كما لا ترى العلمانيّة أي فرق في الأديان التي أنزلها الله ، فلافرق لديها بين دين محرف وآخر محفوظ ، بل الأديان كلها سواء ، يجب أن تعامل معاملة واحدة ، على أساس الأركان الثلاثة السابقة 0
وقد انتشرت العلمانية في بلادنا الاسلاميِّة ، حتى وصلت الجزيرة العربيِّة مهد الإسلام ، ومهبط الوحي ، ودخلت الكويت أول ما دخلت مع ابتعاث الطلبة في الخمسينات الميلاديِّة للدراسة في الخارج ، فرجع بعضهم مشبَّعا بالأفكار العلمانية ، فتبنَّتها شخصيَّات بارزة ، وأحزاب وصحف ومؤسسات كثيرة 0
العلمانية قد لاتنصب العداء للدين علانية ، بل تكيد له كيدًا خفيًا:
العلمانيّة ليست بالضرورة معادية للدين ، بل إنَّها أحيانا تفضل توظيف الدين والإستفادة منه ، ولكن مع ضرورة حصره في ناحية من نواحي الحياة ، ولهذا قد لاتجد العلمانيّ يطعن في الدين ، بل قد يمدحه ويمجده ، بل قد يقول إنه يجب المحافظة على الدين 0
ولكنك إذا سألته هل أنزل الله تعالى دين الإسلام ليكون هادياً لنا في كل أمور حياتنا ، فلايجوز لنا أن نرفض شيئاً منه ، فإن جوابه لايخرج عن ثلاثة احتمالات:
الاول: أن يفر من الجواب إذا خشي على نفسه من التصريح بمنهجه العلمانيّ خوفا من ردة فعل الناس ، كما يفعل السياسيّون عند خوفهم من خسارة الأصوات الإنتخابيّة0
الثاني: أن يقول بوضوح وصراحة أن الدين يجب أن نعزله عن السياسة والثقافة والفكر ، وعن حياتنا الإجتماعيّة ، كما أنه لايصح أن نجعل الدين هو الحكم على كل شيء في الحياة بالصواب أو الخطأ ، وهنا قد يقول العلمانيّ أن الدين له أن يحكم في أمور الروح ونحوها من الأمور الغيبيّة ، فكأنَّه ينزل الدين منزلة الكهانة 0
وقد يحاول هذا الصنف من العلمانيين أن يكون لطيفا في عبارته: فيقول: إن الدين علاقة بين الإنسان وربه ، ولايعدو أن يكون مسألة شخصية 0
وقد يحاول بعضهم أن يتحذلق قليلا فيقول: نحن لانريد أن نفسد الدين بإدخاله في السياسة أو الخلافات الحزبيّة والثقافيّة والفكريّة ، ويقول في صورة الناصح الأمين: دعوا الدين في المسجد فهناك حيث يُحترم ويُوقَّر ، ولاتلطّخوه بالدنيا الدنيئة ، فالدين للآخرة 0
وهذا القول حقيقته هدم لدين الإسلام وشتم قبيح له ، وطعن خبيث فيه ، لأنه في حقيقته رمي للدين بأنه قاصر لايصلح لتسيير حياة البشر ، وما مَثَل هذا القول الماكر إلاّ كمثل من يشير على ملك من الملوك ، بأن لايُقحم نفسه في التصرف في أمور مملكته بشيء 0