الواقع أن الجميع يكون قد لاحظ الآن أن الصوفية التي انهزمت سابقًا تسعى إلى العودة، ومما يزيد في قوتها الحالية أن أعداد أتباع مختلف طرائقها على امتداد رقعة العالم الإسلامي آخذ في التزايد بشكل محير لا يمكننا القبول بأنه مجرد مصادفة تاريخية جديدة، فليس مقبولًا عقلًا أن تتحرك هذه الأفكار مجددًا وفي نفس الوقت من أفغانستان إلى وسط وجنوب آسيا وصولًا إلى غرب أفريقيا لتشمل ملايين المسلمين هكذا ببساطة.
قبل فترة ليست بالبعيدة صرح أحد أكبر المتخصصين في علم الآنتروبولوجيا وهو المسمى"روبرت دانين"، والذي كان قد درس المتصوفين الأفارقة يقول:"سيكون من الحماقة تجاهل الاختلافات بين الصوفية والأصولية، فالصراع بين المدرستين يشبه حرب العصابات"، وبما أن كلامًا كهذا يعد بكل المقاييس خطيرًا وذا دلالات مفصلية في واقع الحرب العالمية على الإسلام بدعوى الحرب على الإرهاب فإن القضية استرعت انتباه صناع السياسة الأمريكية، صحيح أن قيام الأمريكيين أنفسهم بدعم الصوفيين بشكل مباشر أمر متعذر وغير ممكن من الناحية الأخلاقية على الأقل، فإن هؤلاء يسعون إلى دعم كل من هو على علاقة بها.
من بين التكتيكات السياسية في هذا الشأن استخدام الدعم الأمريكي لاستعادة الأضرحة الصوفية حول العالم، وترجمة مخطوطاتهم التي ترجع إلى العصور الوسطى، وكذلك دفع الحكومات لتشجيع نهضة الصوفية في بلدانهم، ومن هنا يمكننا الاستشهاد مثلًا بما ينتهجه ملك المغرب الأقصى الحالي"محمد السادس"، فهذا الأخير بادر إلى جمع زعماء الصوفية المحليين هناك، وقدم لهم ملايين الدولارات كمعونة لاستخدامها حصنًا ضد الأصولية المتشددة، وأما في الجزائر عندنا فإن الأمر يأخذ طابع الاستراتيجية السياسية المتكاملة.
طيلة كامل العام الذي سبق انتخابات الثامن أبريل الأخيرة عمت الدهشة كل المراقبين الذين كانوا يتابعون تطورات الساحة السياسية الجزائرية بسبب المظهر الجديد الذي بدت عليه الأحداث، لقد أمكننا وقتها أن نتابع ومباشرة عبر كاميرات التلفزيون أطوار لعبة القط والفأر بين الرئيس بوتفليقة (المترشح لخلافة نفسه) وعدد كبير من التنظيمات الدينية الصوفية التي تسمى عندنا: الزوايا.
فالأول ومن خلال تركيز كامل ومعونات مالية كان يبحث عن الدعم العلني والرسمي من قبل شيوخ أكبر الزوايا في البلاد من أجل الفوز بعهدة ثانية، وأما الأخيرون فلم يكن همهم غير إطالة أمد اللعبة في سبيل الحصول على أكبر قدر من المساعدات المادية في مقابل تقديمهم للدعم المطلوب.
لم يكن المراقبون - أو أكثرهم على الأقل - على أية حال قد فهموا شيئًا من هذا الإصرار الذي كان الرئيس يبديه في الحصول على دعم هذه الزوايا (دعم علني يأخذ هنا طابع المباركة من لدن الشيوخ ليستغل ذلك إعلاميًا ببراعة) لأجل تأمين العهدة الثانية، ثم إنه وفي سبيل تحقيق ذلك لم يتورع الرئيس بوتفليقة في أن يبدو بمظهر الرجل البسيط على خلاف تلك الشخصية المتميزة التي عهدها الجزائريون عن رئيسهم، فصار يحرص على أن يعبر عن مشاعر المودة وحتى الاحترام الكبير تجاه كل شيوخ الطرقية في الزوايا التي زارها، إلى درجة تُناقض أحيانًا كل مميزاته الشخصية التي عُرفت عنه من قبل، وهذا دليل على الاهتمام الخاص الذي يوليه شخصيًا لزعماء هذه"المنظمات الدينية".
من هنا فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو حول هذه الزوايا - وهي التي كانت بالأمس محل انتقاد عنيف بسبب جمودها الديني والاجتماعي، فضلًا عن دورها المشين حينما لعبت دور اللواحق بالنظام الاستعماري - وقدرتها عن إقرار عملية انتخاب ثم إعادة انتخاب الرئيس الجزائري، لقد كانت إبان العهدة الرئاسية الأولى وبفضل دعم ذكي من لدن رئيس حريص على توسعة قاعدته الانتخابية قد استطاعت أن تتحول إلى أداة حقيقية في سبيل إدامة عهد السلطة بشكل عام، لقد كان النظام الجزائري قد أدرك وقتها وتمكن من أن يستقطب خلال العشرية الماضية ما لهذه الزوايا من أثر يمكن جعله إيجابيًا بقصد الموازنة، ومن بعدها توقيف عجلة حركة مركز الثقل الذي يملكه الإسلام السياسي بما أن هذا الأخير كان يهدد النظام الذي تأسس منذ الاستقلال في العام 1962 بشكل وجودي صريح.