وفي هذا السياق فإنه من الأهمية الإشارة إلى أنه ليس ثمة ما يمنع رجل الأعمال من الاشتغال بالسياسة كأن يكون فاعلاً سياسياً في الأطر السياسية التي تنشط خارج دائرة السلطة، مثل: الأحزاب، النقابات، الجمعيات الأهلية بتنوعها. إذ إن انتقاله من هذه الدائرة إلى دائرة"الفعل السياسي"بأن يتبوأ مركز صناعة القرار في مؤسسات الدولة الرسمية: البرلمان، المجالس الشورية، الوزارة، رئاسة الدولة، ليس ثمة ضمانة تعصمه من استغلال وجوده في هذا المركز لإدارة شؤون الدولة على النحو الذي يجعلها عند نقاط التقاء مع مصالحه وأعماله ومشاريعه وشركاته الخاصة.
وعلى أقل تقدير فإن هذه المكانة السياسية الرسمية هي في نهاية الأمر"حصانة"يعتصم بها من الملاحقات القضائية والأمنية، تيسر له مساحة كبيرة من الحركة والمناورة: ففي مصر على سبيل المثال اكتشف المصريون أن 12 عضواً بالبرلمان - دخلوه باعتبارهم رجال أعمال - كانوا مدرجين في قوائم الإدارة العامة لمكافحة المخدرات بالقاهرة باعتبارهم من كبار تجار المخدرات في مصر، ورغم أن صحيفة الوفد المصرية نشرت في عهد الراحل مصطفى شردي تلك القوائم مختومة بخاتم وزارة الداخلية؛ فإن البرلمان المصري لم يستطع إلغاء إلا عضوية اثنين فقط، فيما ظلت البقية منهم يتمتعون بحمايته وعضويته، رغم أنه كان من بينهم من محترفي تهريب"الحشيش الإسرائيلي"، وفي السياق ذاته عرف البرلمان المصري"نواب التجنيد"الذين تهربوا من أداء الخدمة العسكرية، و"نواب القروض"الذين استغلوا مناصبهم البرلمانية في نهب أموال المودعين بالبنوك.
ومؤخراً: بعدما أبرمت مصر اتفاقية"المناطق الصناعية المؤهلة"- الكويز - تم استبعاد بعض المناطق من الدخول في هذه الاتفاقية مثل:"المحلة الكبرى"و"الإسماعيلية"، ثار رجال الأعمال على هذا الاستبعاد، واعتبروه انحيازاً لرجال أعمال آخرين ضدهم، وطالبوا بضرورة مساواتهم بغيرهم ممن شملتهم الاتفاقية، يعني أنهم لا يرون في الأمر تطبيعاً ولكن اعتبروه"مؤامرة"عليهم باستبعادهم من"كعكة الكويز".
وفي هذا السياق فإن الذين يتعجلون ويضغطون على الحكومة السورية وحثها على سرعة الدخول في تسوية سياسية مع الكيان الصهيوني؛ هم طبقة رجال الأعمال السوريين، وهو شعور كما بينا في ما تقدم يتسق و"الحيدة القيمية"التي تشكل أسس"الوجدان الوطني"عند رجل الأعمال عادة.
وفي فلسطين أيضاً فإن الوزير"جميل العطيفي"تورط في نقل أسمنت مصري مع"رجال أعمال مصريين"إلى رجل أعمال إسرائيليي يدعى"زيفي بيليكسي"، استخدم في بناء المستوطنات، والجدار العنصري العازل، ولم تتمكن المؤسسات الرقابية والأمنية الفلسطينية من معاقبته، بل لا يزال نجماً إعلامياً، وضيفاً على قنوات التلفزة العربية يتحدث باسم الشعب الفلسطيني وكأنه واحد من قيادات حماس، أو الجهاد، أو كتائب شهداء الأقصى!!
وكذلك أبو العلاء"أحمد قريع"باعت شركاته مواد بناء لإسرائيل، استخدمت في بناء مستوطنات إسرائيلية في"جبل أبو غنيم"، والطريف في هذا الأمر أن متحدثاً باسمه برر هذا"التطبيع بالباطن"، والذي يعد في الأعراف والتقاليد الوطنية"خيانة"، برره بأن المستوطنات التي بنيت بمواد البناء التي وردتها شركاته للكيان الصهيوني إنما تقع في المناطق التي من المتوقع مستقبلاً أن تستعيدها السلطة الفلسطينية في التسويات المنتظرة مع الكيان الصهيوني!!
والحال فإن هذه الظاهرة متواترة كونياً، مما يجعلها أصلاً تبنى عليه المواقف وربما التشريعات مستقبلاً لتنظيم علاقة رجل الأعمال بالسياسة، فما حدث في مصر وفلسطين كمثلين لا حصراً نجده مكرراً في دول أخرى بعيدة عن العالم العربي، ففي أمريكا أدارت الإدارة الأمريكية الحالية الحرب في العراق على النحو الذي يخدم تطلعات أباطرة النفط بها في"جنات العراق"النفطية، وهي تطلعات لم تعد سراً بعد أن كشف المرشح الأمريكي في الانتخابات الرئاسية الأخيرة"جون كيري"عن أن نائب الرئيس ديك تشيني حصل على عمولة قدرها 2 مليون دولار نظير السماح للمجموعة النفطية"هاليبرتون"الحصول على عقود بالعراق تقدر 6 مليارات دولار من دون استدراج عروض، وفي إيطاليا أقدم رئيس الوزراء بيرلسكوني على تقديم رشاوى للقضاء الإيطالي لتمرير محاولة اقتناصه شركة"إس إم إي"للأغذية المملوكة للدولة، وحاول في الوقت ذاته تمرير مشروع قانون لا يجيز إحالة رئيس الوزراء إلى المحاكمة في قضية فساد طالما ظل في منصبه، صحيح أن القانون جرى تعطيل إجراءات تمريره، إلا أن بيرلسكوني استطاع الإفلات من الحبس مستنداً على وجوده في منصبه، فيما سجن شركائه في القضية لعدم تمتعهم بحصانة مماثلة.