بوصول الرئيس بن جديد إلى تولي مقاليد السلطة في بداية العام 1979 بدأ العمل الجدي في سبيل توطيد وتمكين دور الزوايا، حيث أن الإشاعات 'الرسمية' وقتها كانت تتندر بالقول أن الجزائر لا تحكم لا من القصر الرئاسي في حي المرادية ولا حتى من"لي تاغارا"- حيث المقر العام لوزارة الدفاع الوطني في العاصمة الجزائرية -؛ بل من مدينة مازونة في أقصى الغرب حيث كانت توجد الزاوية التي تنتمي إليها ابن جديد، وحاليًا ومع بداية القرن الحادي والعشرين يمكننا القول أن لا شيء قد تغير فعلًا إذ يبدو جليًا أن الزاوية قد عادت وبشكل أكثر قوة لتشغل موقعًا مهمًا لدى جماهير فقيرة من الناحية الروحية، ومهيأة جيدًا - بفضل منظومة مدرسية ما تزال تعتبر أجيال الجزائريين عينات اختبار وتجربة لا فرق بين النجاح والفشل فيها عند منظري التربية عندنا - وعلى الرغم من أنه من غير المعقول الالتصاق بأدبياتها إلا أنه من الواضح جدًا أن كثيرين من بين الجزائريين عادوا يلتصقون بتلك الخوارق والقدرات غير الطبيعية التي يملكها 'سيدي أمحمد بوقبرين'، أو الشيخ 'محند أو الحسين'، أو حتى 'شعيب بومدين' وغيرهم من"الصالحين"أكثر من أي إمام من أولئك المنظرين والمفكرين مهما كان شأن هؤلاء الأخيرين، هذا يعني الحضور القوي للزوايا، وتأثيرها على نمط تفكير أتباعها، وبالتالي خياراتهم السياسية المتعلقة بالمشايخ.
لا يعني هذا بأية حال من الأحوال أن الرئيس بوتفليقة يخطط في سبيل تحويل هذه الزوايا وتطويرها لتصبح أحزابًا سياسية، ولا حتى لواحق لهذه الأخيرة لأنها سوف تفقد مصداقيتها وتأثيرها على أتباعها لو أنها اختارت المضي في هذه الطريق، فضلًا على أنه لا ينبغي الإبقاء على تواجدها في مجال العمل السياسي حتى ذلك المتناغم مع السلطة بما أن هذا سيكون كفيلًا بقتلها أيضًا، وإنما التفكير في الاستفادة من تأثيرها خلال المناسبات السياسية المهمة، وهذا يعني أنه سوف يلجأ إليها خلال الانتخابات التشريعية والمحلية القادمة قصد ضمان الأغلبية المريحة للتحالف الرئاسي - مهما يكن شكله مستقبلًا -، علاوة على أن خدماتها سوف تستحضر خلال موعد الاستفتاء على تعديل الدستور أيضًا بما أن هذا الموعد الأخير في نظر الرئيس بوتفليقة هو"نقطة المحرق"في استراتيجيته للخروج من الأزمة بشكل عام.
ختامًا إنه وعلى الرغم من أن هذه الظاهرة هي توجه عالمي يتحرك وفقًا لإملاءات تأتي من وراء المحيطات، ولن يسعنا هنا الحديث عن إمكانية نجاحها أو فشلها إلا أنه من الضروري الانتباه إلى أن مواجهة تهديد من هذا الحجم لا يمكن أن يكون بمجرد الاعتماد على إقامة الملتقيات، فضلًا عن كتابة المقالات أو الخطابات لأن القضية أكبر من أن تتراجع هكذا، وهي فعلًا تتطلب عملًا توعويًا متكاملًا يتجاوز العقد الآنية والحسابات السياسية المصلحية لأنها ببساطة لم تعد قضية جماعة ولا حزب ولا حتى دولة واحدة.
مؤخرًا نشرت مؤسسة"راند"الشهيرة والتي واحدة من أهم روافد الفكر المسيحي المتصهين الحاكم في الولايات المتحدة حاليًا وثيقة عنوانها:"الإسلام المدني الديمقراطي: شركاء موارد وإستراتيجيات"من أهم ما ورد فيها أن قسمت العالم الإسلامي والتيارات السائدة فيه إلى أربع هي: التقليديون، الحداثيون، الأصوليون ثم العلمانيون، ثم خلصت إلى أنه يتعين مساعدة التيارين الأولين باعتبار أنهما الأقرب إلى تحقيق"التجانس"مع القيم الغربية، فالأول لا يجد مانعًا في القبول بسلطة الآخر، و أما الثاني فإن هذا 'الآخر' هو في الحقيقة غايته، وإن ادعى أن هدفه هو تطوير الدين الإسلامي وجعله قابلًا في الاندماج في الواقع العالمي الأمريكي الجديد.
وبالتالي فإنه يظهر أمامنا من هنا أن الفريق المحافظ المهيمن على دواليب الحكم والإدارة في الولايات المتحدة لم يعد يكتفي بمطلب بناء الأمم والدول - مثلما كان يدعو فرانسيس فوكوياما صاحب نظرية نهاية التاريخ -، وإنما صار يراهن على إنجاز مهمة كبيرة يسميها 'إعادة بناء الديانات والثقافات'، ورغم أن الوثيقة هذه تسلم ابتداء بأن هذه المهمة شاقة وتحتاج إلى طول نفس خاصة إذا ما تعلق الأمر بدين كبير بحجم الإسلام، إلا أنها مع ذلك تدعو إلى خوض غمار هذه التجربة، وتحمل مشاقها بما يحقق المطلب المنشود في صياغة إسلام «مدني ديمقراطي» متقبل لقيم العلمنة والحداثة، وهذا معناه أن مسألة القيم ونظام الثقافة العامة لم تعد شأنًا محليًا واختياريًا للأمم والشعوب بقدر ما غدت خاضعة لاختيارات الخارج، ولعبة مصالحه وسلم أولوياته، وإن اقتضت التفسيرات الإعلامية إدراجها تحت سلّم الدفاع عن القيم المدنية والديمقراطية الغربية.
http://www.almoslim.net:المصدر