فهرس الكتاب

الصفحة 7816 من 27364

وبداية الحملة بدأت ببعض حوادث فردية وشاذّة قام فيها الأهل بالتخلص من فتاتهم؛ لأن ثمّة شكوكًا أثيرت حول طبيعة سلوكها ومدى التزامها بحسن الخلق، ثم ثبت بعد ذلك في تقرير الطبيب الشرعيّ أنّ الفتاة المجنيّ عليها كانت عذراء ولمْ ترتكب فعلا يستدعي ما حدث لها من إزهاق لروح بريئة .. من هذه الحوادث بدأت الحملة لمواجهة هذه الجرائم التي أَخذت اسمًا إعلاميًا هو"جرائم الشرف"ثم ارتفع منحنى الحملة ليصل إلى نقطة خطيرة ،وهي أنّ الحلّ الوحيد للقضاء على مثل هذه الجرائم العنيفة ضد المرأة هو"إلغاء فكرة الشرف"ذاتها عن طريق أنْ يتساوى الجميع في التخلّص الدليل المادي للشرف"غشاء البكارة"والاكتفاء بالدّلالة المعنويّة للشّرف والبكارة تماما، كالشاب الذي لا يوجد دليل ماديّ على شرفه وبكارته، على اعتبار أنّ الشّرف مسألة ليست مرتبطة بالأنثى فحسب. هذه هي المبرّرات الواهية لتلك الحملة الخبيثة، والتي يقودها تلك النّسويات المتطرّفات، وهن يستخدمن كلّ وسائل الإعلام وكلّ الضغوط الدوليّة لتمرير هذه الأفكار، ومن أخطر الوسائل التي استخدمنها الأدب والأعمال الفنيّة (2) سواء كان هذا الأدب نسويًّا أو ما اصطلح على تسميته"بأدب الجسد"، والعامل المشترك بين كل هذه الأعمال الأدبيّة - دون الولوج بالطبع في تحليل الجانب الفنيّ في العمل - أنّ البيت مكان يشبه السّجن بالنسبة للمرأة، وأنّ الجميع يتكاتف على كبتها وإذلالها داخله، وأنّها لابدّ أنْ تستردّ جسدها أولا كي تتحرّر من هذا السجن .. تقول الدكتورة شيرين أبو النجا معبّرة عن هذا التيار النسويّ المتطرّف:"لقد أرست المنظومة المعرفيّة الذكوريّة قواعد واضحة حدّدت أماكن"

تواجد النساء والمساحة الخاصة بهن: المنزل . وهي منظومة تربط المنزل وسلسلة من التداعيات والمفاهيم التي تتمحور حولها حياة المرأة أو بمعنى أدق هي المفاهيم التي تشكل هويّة المرأة: رعاية الأبناء ، شرف البنات ، عمل غير مدفوع الأجر ، السلوك القويم ، طاعة الزوج ، وأخيرًا الإنكار المطلق لتفرّد الذات الأنثويّة، وبذلك يصبح المنزل شرنقة منعزلة داخل حدوده الهندسية، أمّا خارجه فتتشكل السّياسات بمعناها الحِرْفِيّ،وعندما يُقال: إنّ المرأة مكانها المنزل"ملكة متوّجة"فالمقصود هو إقصاؤها عن مساحة كبيرة تتشكل فيها الرّؤى، ويصنع فيها القرار أي مساحة تتمركز فيها القوى (3) "."

هذا هو المنزل في الفكر النسويّ المتطرف مكان قبيح لقمع المرأة والسّيطرة عليها، وإلهائها في أمور تافهة، وتربية الأبناء، وطاعة الزوج والسلوك القويم !! وهكذا يتمّ السخرية من مفهوم البيت، ومفهوم التربية ،ومفهوم الشرف بحيث لا تتحقّق حريّة المرأة وفاعليتها إلا خارج البيت تمامًا، كما لا تتحقّق هذه الحريّة إلا بحريّة الجسد، الذي هو ملك خاصّ بالمرأة، ولها وحدها حريّة التصرّف فيه من خلال فكرة التجرِبة والخطأ؛ فالجسد من وجهة هذه النظر النّسويّة هو الأسلوب الأمثل لاكتشاف الذات، وأيّ تحرّر يستبعد حريّة الجسد كاملا فليس بالتحرّر الحقيقيّ، هذا الكلام هو مضمون الكثير من الأعمال الأدبيّة والفكريّة النسويّة التي تشقّ طريقها هذه الأيّام بزَخَم شديد، وهو مضمون فكر عالميّ يتشكل ويراد له أنْ يُفرض بكل الوسائل على إنساننا العربيّ المسلم سواء كان رجلا أم امرأة .

جرائم الشّرف .. رُؤية شرعيّة

يقول تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ...) [النّور:2]

بهذه الصورة القاطعة يساوي الشّرع الإسلاميّ بين الرجل والمرأة في الجريمة المُخِلّة بالشّرف، وبالعقاب الذي يستحقه أيّ إنسان يقارف هذا الفعل .. فالإسلام يريد للإنسان أنْ يحيا حياة نظيفة طاهرة، لذلك أحلّ له الزواج وحرّم عليه الزّنا، لا فرقَ في ذلك بين رجل وامرأة، أو غنيٍّ وفقير، ولم يحمّل المرأة المسؤوليّة وحدها عن هذه الجريمة وما جاء في مثل قول صلى الله عليه وسلم"إنّ المرأة إذا أقبلت ، أقبلت في صورة شيطان وإذا أدبرت ، أدبرت في صورة شيطان" (4) ، وأنّ"النساء حبائل الشيطان" (5) ، وغير ذلك من أحاديث فلابدّ من فهمها في سياق كل الأحاديث التي تتحدث عن المرأة في مثل قول صلى الله عليه وسلم"النّساء شقائق الرّجال" (6) فالمرأة أحبولة الشيطان هي التي تترك نفسها للشيطان يختار لها أزيائها ومشيتها وتلك هي المرأة التي علقت عليها السيدة عائشة بقولها: إنّ الرسول لو رأى ما أحدث النساء لمنعهن من المساجد كما منعت نساء بني إسرائيل، في حين أن الرسول قال:"لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" (7) وليس ثمّة تناقض أو إشكالات فالمرأة أمة الله لا تمنع المسجد؛ لأنّها جزء صالح من نسيج المجتمع، له أنْ يتمتّع بكامل حقوقه الإيمانيّة، أمّا المرأة (أحبولة الشيطان) فهي تُمنع المسجد، و لابدّ من عقابها وازدرائها من المجتمع حتى تعود إلى رشدها ودينها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت