فعلى المستوى الشخصي، وكمثال بسيط على دور المرأة في المحن والشدائد؛ من الذي يتحمل المسؤولية شبه كاملة في حال ابتُليت الأسرة بطفل معاق، أليست هي المرأة، ومن الذي يتحمل مسؤولية تدبير أمور البيت في حال ضاق الحال بالزوج ولم يستطع الإنفاق على البيت بشكل كاف أو أُصيب بالمرض، أليست هي المرأة؟
ومن النماذج السامقة ما نراه في حالة اعتقال الرجل، - وهذا نشاهده بشكل خاص في فلسطين والعراق - حيث تتحمل المرأة المسؤولية كاملة، وترفض طلب الطلاق على الرغم من الضغوط الخارجية - أحياناً - خاصة من الأهل.
لقد صدق الذي قال"ما من رجل عظيم إلا وراءه امرأة عظيمة"، فالرجل إن لم تتوفر له الراحة والجو الملائم من حيث الهدوء والتشجيع فلن يبدع ويحقق الإنجاز والتفوق، فالرجل الذي يقضي يومه في حل مشاكل بيته ويعيش في اضطراب وقلق بشكل دائم، كيف له أن يجد التركيز ليحقق شيئًا ملموسًا في الحياة.
ولهذا كان خير متاع الدنيا المرأة الصالحة، وبالطبع فإن صلاح دين المرأة يشمل سلوكها وأخلاقها وموقفها من زوجها وتربيتها لأبنائها وصبرها في المحن والشدائد الخاصة بأسرتها أو بأمتها.
أم عمارة نموذج فدائي لا يموت
ونتوقف هنا قليلاً للحديث عن نموذج نسائي فريد، نقدمه لبناتنا ونسائنا في العصر الحديث وهن يعشن مآسي الأمة وإحاطة الأعداء بها، علهن يأخذن منها القدوة والمثل في كيفية مواجهة أعدائنا والدفاع عن مقدساتنا وثرواتنا واستقلالنا الوطني.
إن هذا النموذج النسائي الفريد هو نسيبة بنت كعب، وهي أم حبيب وعبد الله ابني يزيد بن عاصم. لم تكن مشاركتها في غزوة أحد ودفاعها عن صلى الله عليه وسلم أول ولا آخر تضحياتها في سبيل الله. فقد كانت إحدى امرأتين وفدتا مع ثلاثة وسبعين رجلاً إلى مكة للقاء النبي - صلى الله عليه وسلم - ومبايعته عند العقبة. فهي من المبايعات على طول المدى. فقد بايعت النبي - صلى الله عليه وسلم - بيعة الرضوان عند الشجرة التي رضي الله عن كل من بايع تحتها وأثبت ذلك في محكم التنزيل.
وخرجت نسيبة إلى غزوة أحد مع زوجها وولديها فقاتلت قتالاً شديداً وجرحت اثني عشر جرحاً، وأظهرت في قتالها شجاعة نادرة نالت إعجاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن رآها من أصحابه تصول وتجول وتضرب بسيفها هنا وهناك ومعها زوجها وولداها يساعدونها في قتال العدو.، وكانت نسيبة تدور تسقي المقاتلين، فلما تحوّل الحال وانهزم المسلمون انحازت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع الصفوة الذين أحاطوا به. فلما ولى الناس عن النبي جاء ابن قمئة يقول: دلوني على محمد، لا نجوت إن نجا، فتصدت له أم عمارة ومصعب بن عمير وآخرون ممن أحاطوا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فكان ما كان من إصابتها.
ولقد شهد النبي - صلى الله عليه وسلم - لهذه المسلمة المحتسبة فقال:"ما التفتُّ يميناً ولا شمالاً إلا رأيت أم عمارة تقاتل دوني."
وتمضي الأيام والسنون وترتفع راية الإسلام. ويفتح المسلمون مكة بإذن الله وعونه. ويلحق النبي - صلى الله عليه وسلم - بالرفيق الأعلى، وينقلب المرتدون المنافقون على أعقابهم، فكانت معركة اليمامة وهي من أشرس المعارك على المسلمين وفيها قتل ابنها حبيب. فمضت تطلب قتل عدو الله مسيلمة الكذاب، فإذا هو قتيل، وإذا عبد الله ابنها الآخر هو الذي أخذ بثأر أخيه، وخلص الإسلام من رأس الفتن