فهرس الكتاب

الصفحة 7889 من 27364

أيها المسلمون، ولم يمض طويل وقت حتى عاد المهاجرون الذين تركوا الأوطان والأهل والأموال في سبيل الله، نصرة لدينه واتباعًا لرسوله، عادوا براية الحق التي هاجروا تحت لوائها فاتحين منتصرين، ليعلو نداء التوحيد فوق البيت الحرام وتنتهي عبادة الأوثان والأصنام، وإذا بمكة ومن حولها من جزيرة العرب تذعن لراية الهجرة، راية الحق، ويُهدي الله جل في علاه نصره لرسوله والذين آمنوا في الحياة الدنيا، وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال:10] ، فهلا حقق المسلمون في هذه الأيام وهم يعيشون ذكرى الهجرة النبوية وصف الإيمان الذي ينصر الله أهله، كما نصر الصحابة الكرام بقيادة النبي عليه الصلاة والسلام ومن سار على نهجه من الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين.

لقد علمتنا الهجرة الشريفة أن الثقة واليقين بالله يقودان إلى نصره الموعود لعباده المؤمنين، وصدق الله العظيم: وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [الروم:47] ، جاء في الحديث الشريف عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله: (( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه ) )، أو كما قال.

التائب من الذنب كمن لا ذنب له. فيا فوز المستغفرين، استغفروا الله، وادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة.

الخطبة الثانية

الحمد الله الهادي إلى الصراط المستقيم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن اقتدى واهتدى بهداه إلى يوم الدين.

وبعد: أيها المسلمون، يا أبناء ديار الإسراء والمعراج، لم تكتف سلطات الاحتلال الإسرائيلي بما يقوم به جيشها من اجتياح للمدن والقرى وقتل للأبرياء وفرض الحصار على سائر الأرض الفلسطينية، وترويع الآمنين بهدم البيوت، وتجريف الأراضي، وقطع الأشجار لمواصلة بناء جدار الفصل العنصري، إمعانًا في تكريس الاحتلال وتقطيع أوصال الأرض الفلسطينية لإعاقة الحياة العادية للمواطن الفلسطيني، بعزل المُزارع عن مزرعته، والطالب عن مدرسته وجامعته، والطبيب عن عيادته، وأبناء الأسرة والبلدة الواحدة عن بعضهم بعضًا.

لم تكتف هذه السلطات بكل هذه الممارسات الظالمة، بل أضافت إليها سطوًا وقرصنة على أموال البنوك العربية والعبث في محتوياتها وحساباتها ومصادرة أموالها، مرهبة الموظفين والمراجعين، في سابقة خطيرة تستهدف زعزعة الحياة الاقتصادية لأبناء شعبنا التي تزداد حرجًا يومًا بعد يوم، جراء الممارسات الإسرائيلية، مع أن كل هذه الممارسات التي تهدف إلى إذلال شعبنا والتضييق عليه لن تزيد هذا الشعب المرابط إلا إصرارًا على البقاء وتمسكًا بحقوقه الثابتة مواصلاً حياته في رباط وثبات فوق تراب وطنه الطهور.

يا أبناء ديار الإسراء والمعراج، ومن الممارسات الظالمة ما تفوه به نائب وزير الدفاع الإسرائيلي بوصفه الفلسطينيين والعرب بأنهم يعانون من خلل في صفاتهم الوراثية، يدفعهم هذا الخلل إلى قتل الآخرين، إن أقل ما توصف به هذه التفوهات بالعنصرية والاعتداء على حكمة الله في خلقه وتكريمه لبني الإنسان.

وقريب من هذه التفوهات وفي نفس السياق ما تفوه به أحد الحاخامين اليهود بوصفه للدين الإسلامي بأنه دين متخلف، ودعا إلى فصل المواطنين العرب عن الإسرائيليين لعدم إمكانية التعايش بين الإسرائيليين والعرب في الدولة العبرية على حد قوله وزعمه.

إن هذه التفوهات والتي سبقتها تفوهات كثيرة بوصف العرب بالصراصير أو الأفاعي أو الذئاب تدل بوضوح على العقلية السوداوية تجاه الدين الإسلامي، والعنصرية البغيضة ضد المواطنين العرب من أبناء فلسطين المحتلة.

لقد أقر الدين الإسلامي يهود المدينة على دينهم، وحفظ حقوقهم في الوثيقة التي وضعها النبي لتنظيم حياة مجتمع المدينة في ظل دولة الإسلام الأولى، وعاش غير المسلمين على امتداد التاريخ الإسلامي في ظل دولة الإسلام يتمتعون بكامل حقوقهم الدينية والمدنية، ولكنها عدالة الإسلام وسماحة المؤمنين.

إنه الإسلام ـ أيها الناس ـ الذي كفل كرامة الإنسان دون النظر إلى دينه وجنسه، فلا عزة للمسلمين بغير الإسلام، ولا سعادة للبشرية المنكوبة بعيدًا عن سلطانه وأحكامه.

ربنا عليك توكلنا، وإليك أنبنا، وإليك المصير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت