فهرس الكتاب

الصفحة 8011 من 27364

ومن حاول الدراسة، فدراسته فردية، لا تقوم بها مؤسسات مختصة بالشئون السياسية، وهذا أمر يفتقر إليه أهل السنة، فلو كانت لديهم لجان ومؤسسات مختصة بدراسة السياسة الإيرانية خصوصا، والشيعة عموما؛ لأسعفت بدارساتها، حيال هذه الأحداث، الباحثين والعلماء، مما يمكّنهم أن يبنوا عليها حكما شرعيا مؤصلا، قريبا من الصواب، إن لم يكن الصواب نفسه.

لكن في مثل هذه الأوضاع المختلطة التي نعيشها، من غياب الهوية السنية، الجامعة لنشاطات السنة، المحققة لمصالحهم، فإن الجهود الفردية ستحل محلها. ترافقها مشكلة أخرى هي: عدوان الخائضين بعضهم على بعض، بالتسفيه، والطعن، والاستهجان، والاستخفاف، وكل ذلك ينافي أخوة الإسلام. وهكذا تجدنا في كل مسألة نازلة طارئة، نختلف اختلاف الخصوم والأعداء.

فلو أننا إذ فاتنا العمل والنشاط المؤسسي، تراحمنا فيما بيننا، فأظهرنا جدلا محترما:

-يتبع أصول الحوار وآدابه، بطرح الأدلة، وتتبع المستندات، ودراستها، وتحليلها، واعتبار ما يمكن اعتباره، وطرح ما يمكن طرحه.

-مستخدمين في ذلك أدوات الترجيح بمنهجية علمية، من: ثبوت دليل، وصحة دلالة، ومناسبة للواقعة، وقياس صحيح. واعتبار الزوايا الأخرى، من: سياسية، واقتصادية، وتاريخية..

-وكل داخل في الجدل لديه القدرة والاستعداد على إعادة النظر في رأيه. لا، بل الرجاء في أن يجد الحق عند صاحبه؛ ليعمل به.

لكان في هذا تعويضا عن الفراغ الكبير، الذي تركه العمل المؤسسي في بنية الحركة السنية، ولكان فيه بديلا عن العمل الجماعي، لكننا أبينا إلا أن نجعلها كما قال القائل:"حشفا وسوء كيلة"؟!!. فكل معجب برأيه، ولا يملك لأخيه إلا لسانا شديدا، شحيحا على الخير؟!!.

نحتاج إلى أن تعلم أصول الحوار، والبحث، والمناظرة، والجدل بالحكمة، والموعظة الحسنة. ولا أكاد أستنثي. فالكل، إلا القليل، وقع في هذا الخطأ.

-إذا أتى المؤيد بمبرر فيه: أنهم مسلمون. قال المعارض: لكنهم مخالفون في أصول من العقيدة.

-وإذا قال الأول: إنهم مظلومون. قال الآخر: لكنهم يعتدون ويظلمون السنة.

-وإذا قال: إنهم ينكلون باليهود. قال: لكن لهم مخطط للهيمنة.

وهكذا كل يذكر قضية صحيحة، يقابلها الآخر بأخرى مثلها. وليست نقطة الخلاف في هذه الأمور، إنما في المقابلة بينها، والموازنة، ثم الترجيح. فإن ثبت: أن تأييدهم ينفع فما المانع من تأييدهم ؟.

وإذا ثبت العكس: أن تأييدهم يضر، فلم نؤيد عملا فيه ضرر علينا ؟.

فكما رأينا المسألة، ليست محسومة ابتداء، كما جهد الفريقان على تصويره، بل هي مشروطة، والفقه كل الفقه، في إدراك هذا الشرط، إثباتا أو نفيا. فمتى ثبت الشرط، أو انتفى فعلى المخالف التراجع.

وهذا الكلام متعلق بهذا الحدث، وحكم الحدث المعين لا يعمم، وإن كانت أطراف الصراع هي نفسها، فإن وحدة الأطراف لا يلزم منها وحدة الحكم، وإلا لما جاز للمسلمين أن يحاربوا الكافرين تارة، ويصالحوهم تارة، ويهادنوهم تارة.

والحقيقة أن ترجيح أحد القولين على الآخر، فيه كثير من المغامرة، لغموض جوانب من القضية، وعدم توفر المعلومات الصحيحة، بصورة واضحة، لأسئلة حاسمة في الموضوع.

فلو أخذنا قضية الهيمنة الفارسية، وهي حقيقة في أصلها، وإنما البحث في ارتباطها بهذا الحدث، ففي ارتباطها تتعارض الأدلة وتتقابل؛ فالتأييد يقوم على نفي الارتباط، وأدلته ما يلي:

1-أنهم مسلمون، مظلومون، يقاتلون عدوا للإسلام والمسلمين.

2-أن الحزب والشيعة لم يكونوا يتوقعون هذا الرد من إسرائيل، ولو عرفوا ما أسروا؛ لتكون عقوبتهم: تدمير قراهم بالكامل، وتهجير أتباعهم كلهم إلا قليلا.

3-أنه من الواضح من إصرار أمريكا على استمرار إسرائيل في القصف والعدوان: أنها حرب مبيتة؛ لخلق منطقة جديدة، سموها شرق أوسط جديد.

فهذه إشارات وعلامات تنفي: أن تكون مخططا فارسيا. ومن ثم فلا خوف من أطماع إيرانية شيعية، وإن كان من مبررات عدم التأييد ما هو قائم (تضييع الحق، وتشيع السنة؛ إعجابا ببطولات حزب الله) . فيبقى مبرر، ويسقط مبرر، ويمكن علاج المبرر القائم ببيان الحق بلطف ورفق، بالتأييد مع الأشعار أنه لأجل منع الظلم، ومنع الاحتراب بين السنة والشيعة، وليست شهادة على حسن المعتقدات، أو الثقة الكاملة.

وفي المقابل تقوم فكرة المعارض على تأكيد الترابط بينهما، وأدلته ما يلي:

1-أن الحزب والشيعة نالوا ثقة الناس، وإعجابهم، وهذا مكسب كبير لهم، فهذه الحرب أفادتهم كثيرا، ويمكن لهم أن يسخروها في مخططاتهم.

2-أن هذه الحرب صرفت الأنظار زمنا عن مشروع إيران النووي، التي هي ماضية فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت