فهرس الكتاب

الصفحة 8117 من 27364

أما على الجانب الآخر، فلم يكن هناك تنسيق بين بلدان الضفة الجنوبية من شأنه أن يشكل عامل توازن مع الأوروبيين، ويحدد أجندة خاصة بها بالتوازي مع الأجندة الأوروبية. فالاتحاد المغاربي كإطار إقليمي وحيد يجمع أكثر البلدان الاثني عشر التي وقّعت على إعلان برشلونة كان إطاراً جامداً بسبب الخلافات المغربية ـ الجزائرية، والخلافات الليبية ـ المغاربية على خلفية تخلي الأعضاء الآخرين في الاتحاد عن دعمهم لها في ملف (لوكيربي) وطائرة (يوتا) الفرنسية، وفوق ذلك تم استبعادها من المشاركة في قمة برشلونة نظراً لوجودها تحت طائلة العقوبات المفروضة عليها من

الأمم المتحدة منذ العام 1992، وحضرت فقط بصفة مراقب ، فشاركت كل دولة من الدول الأربع المتبقية ( المغرب وموريتانيا والجزائر وتونس ) منفردة لا كجزء من إطار إقليمي مشترك. ومن جهة ثانية تم إقحام إسرائيل في مشروع الشراكة المتوسطية من طرف الأوروبيين ، كدليل على رغبتهم في لعب دور في مسلسل السلام في المنطقة، وكان ذلك أحد عناصر الهدم المبكرة في ضوء الإخفاق المتكرر لمشاريع التسوية السياسية، وعدم حصول ميل عربي ـ علني على الأقل ـ إلى التطبيع مع الدولة العبرية وقتها. كل هذه المعطيات جعلت مسلسل برشلونة حوارًا ناقصاً بين طرفين يوجدان في وضعية غير متكافئة، طرف يستمع فقط ، وآخر يتحدث أو يملي.

ثلاثة مسارات

تمحور مشروع الشراكة الأورومتوسطي كما صاغه إعلان برشلونة عام 1995 حول ثلاثة مسارات: المسار السياسي والأمني، من خلال السعي إلى إقامة منطقة مشتركة للسلام والاستقرار في منطقة البحر الأبيض المتوسط، ويرتبط بهذا الهدف تقوية التعاون الأمني بين الأطراف، وتنسيق السياسات لمحاربة الإرهاب والعنف والجريمة المنظمة والقيام بإصلاحات سياسية.

ثم المسار الاقتصادي والتجاري والمالي الذي يرمي إلى بناء منطقة مشتركة للازدهارمن خلال حل معضلة المديونية التي تثقل كواهل بلدان الجنوب، وتشجيع التعاون بين الأطراف، ومساعدة الأوروبيين لدول الجنوب من أجل تحقيق النهوض الاقتصادي، وإيجاد فرص الشغل، وإدخال الإصلاحات الهيكلية على مؤسساتها الاقتصادية، وتعديل القوانين الموجودة لجلب الاستثمار، عبر آلية أطلق عليها برنامج"ميدا"للدعم المالي، ويسعى هذا المسار إلى إنشاء منطقة للتبادل الحر بحلول عام 2010. أما المسار الثالث والأخير فهو الجانب الثقافي والاجتماعي، ويرتبط بذلك إصلاح البرامج التعليمية، وتنمية الموارد البشرية، وإيجاد ثقافة للتسامح واحترام الهوية الثقافية للدول.

وبالرغم من أنه أريد لهذه المسارات الثلاثة أن تسير متلازمة مع بعضها، إلا أن الواقع أظهر في السنوات القليلة التالية للتوقيع على إعلان برشلونة، وطيلة المؤتمرات التي عُقدت حتى اليوم ( مالطا 1997، شتوتغارت 1999، مرسيليا 2000، فالنسيا 2002، نابولي 2003 واللوكسمبورغ 2005) أن الأوروبيين غير مستعدين للوفاء بالوعود التي قطعوها على أنفسهم أمام بلدان الجنوب، سواء من خلال عدم الجدية في التعاطي مع أزمات الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية تحديدا ؛ إذ بقيت علاقة أوروبا بالمنطقة قاصرة على الدعم المالي دون لعب أي دور سياسي، وفي حالات كثيرة كانت تتهرب من إدانة العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني، ولا تتخذ قرارات واضحة وصريحة، أو من خلال ضعف المعونات المالية المرصودة ضمن برنامج (ميدا) التي لم ترق إلى طموح بلدان الضفة الجنوبية؛ إذ لم تكن تمثل قيمة ما يقدمه هذا البرنامج في الفترة ما بين (1995 -2000) سوى خمسة

مليارات يورو، وظل نفس الغلاف المالي تقريباً مخصصاً للمرحلة الثانية من البرنامج للفترة ما بين (2000 -2006) ، مما أعاق -بحسب العديد من المهتمين الأوروبيين أنفسهم- تحقيق أهداف مشروع برشلونة فيما يتعلق ببلدان الجنوب، الأمر الذي دفع الأوروبيين إلى إعادة النظر في البرنامج، فأعلن وزير الخارجية الإسباني (ميغيل أنخيل موراتينوس) لوكالة (أوروبا بريس) قبل أسبوع أن الاتحاد الأوروبي سيرفع الدعم المالي المخصص ضمن برنامج (ميدا) للفترة ما بين (2007 -2013) إلى (1500) مليون يورو، الأمر الذي يؤكد أن الأوروبيين ـ بعد عشر سنوات من انطلاق المسلسل ـ باتوا يدركون محدودية الشراكة كما تم وضعها في إنفاذ أهدافها المرسومة.

الأجندة الأمريكية في مقابل الأجندة الأوروبية

لقد شكلت أحداث الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة الأمريكية عام 2001 منعطفاً حاسما بالنسبة لمسار الشراكة الأورومتوسطية، وللسياسات الأوروبية حيال الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط الذي أصبح أكثر فأكثر جسراً لعدم الاستقرار ومنطقة مليئة باحتمالات التهديد المستقبلي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت