فهرس الكتاب

الصفحة 8145 من 27364

د. محمد مورو 11/1/1425

الشرق الأوسط الكبير أو الشرق الأوسط الأوسع نطاقًا أحدث صيحة في عالم المبادرات الأمريكية والأوروبية لإعادة صياغة المنطقة بما يخدم المصالح الأمريكية والصهيونية والفرنسية عمومًا. المسألة إذًا ليست جديدة تمامًا ولكن فيها ما هو جديد أيضًا فمثل هذه المشروعات والمبادرات لم تنقطع منذ حرب الكويت عام 1991 في إطار انفراد أمريكا بالهيمنة على العالم بعد سقوط الاتحاد السوفيتي السابق والمنظومة الاشتراكية والتواجد الفعلي للقوات الأمريكية في المنطقة بعد حرب الكويت عام 1991 لتكمل مع إسرائيل حلقة الاحتلال والهيمنة، وقد شهدنا مثل تلك المبادرات منها ما يسمى بالسوق الشرق أوسطية ، وهي فكرة أمريكية صهيونية تستهدف إدماج إسرائيل في المنطقة وإفقاد العرب والمسلمين الهوية والثقافة والتميز الحضاري وبالتالي الانتماء إلى الشرق الأوسط أو عالم المصالح و (البيزنس) والسلام - وهو وهم طبعًا-. ثم ما يسمى الانتماء لبحر المتوسط، وهي فكرة أوروبية تحقق أهدافًا قريبة من الأهداف السابقة، أي استبدال الانتماء العربي والإسلامي بالانتماء إلى ثقافة البحر المتوسط، وهذه بالطبع أقل خطرًا من الشرق أوسطية رغم أنها تدمج إسرائيل أيضًا في المنطقة، ولكنها تتعارض شيئًا ما مع المفهوم الأمريكي للمنطقة.

ثم بعد ذلك ظهرت مبادرة (كولن باول) للشراكة والسلام والتنمية، وقد تم رصد اعتمادات وأموال وإنشاء صحف وقنوات فضائية وتليفزيونية للتبشير بتلك القيمة وغيرها، ثم أخيرًا مشروع بوش المسمى بالشرق الأوسط الأوسع نطاقًا، وهو يضم حسب تعريف بوش نفسه العالم العربي + إسرائيل + إيران، وباكستان ، وتركيا ، وأفغانستان؛ أي نطاق عربي إسلامي يقبل باندماج إسرائيل فيه وهو هنا يشبه مشروع الشرق أوسطية المعروف، ثم حديث عن التنمية ، وعن الرخاء وأرقام عن تدني الدخول ، وتدني مستوى المعيشة ، تفشي البطالة و الأمية، وكأن السيد الأمريكي اكتشف ما هو غير معروف لحالتنا. بدهي فإن الوعد هنا الرخاء الاقتصادي وهو وهم طبعًا (فالحدأة لا تلقي بالكتاكيت) ، المهم في المسألة أن ذلك كله بشرط دعم اقتصاد السوق، أي تسليك مواسير النهب والهيمنة وإعادة هيكلة المجتمعات لإفقادها الهوية والثقافة، ثم حديث عن دور المرأة وتحريرها، وهو حديث ممجوج من كثرة تكراره وحق يراد به باطل، وكذا دعم مؤسسات المجتمع المدني طبعًا بشروط أن تكون تلك المؤسسات ناشئة في ظل العولمة ووفقًا لمفاهيمها وأجندتها وليست مؤسسات أهلية إسلامية كانت ولا تزال معروفة ومؤثرة، وأخيرًا الحديث التقليدي عن الديمقراطية وحقوق الإنسان ونزاهة الانتخابات ووقف التعذيب والانتهاكات، وهو حديث منافق تمامًا لأنه يمس وترًا حساسًا وصحيحًا، ولكنه نوع من الخيار بين الوهم والجحيم؛ وهم إمكانية تحقيق الحرية عن طريق الاستعمار، وجحيم دعم الحكومات المستبدة نكاية في أمريكا. وينبغي بالطبع أن نكون موقفًا مركبًا يرفض الاستعمار ويرفض الاستبداد في نفس الوقت.

دكتاتورية ونفاق

على كل حال فإن الحديث المنافق عن الديمقراطية وحقوق الإنسان يستدعي قدرًا أكبر من المناقشة ووضع النقاط على الحروف، فبداية فإن الذي صنع الديكتاتورية وصنع التطور الاجتماعي الصحيح في المنطقة هو الاستعمار ذاته وأمريكا وإسرائيل تحديدًا، وجورج بوش نفسه اعترف بأن أمريكا دعمت الاستبداد في المنطقة لمدة ستين عامًا، وقد آن الأوان لوقف هذا الخطأ والجزء الأول من كلام بوش صحيح؛ وبالتالي ينبغي لإصلاح الخطأ الاعتذار ودفع التعويضات للمتضررين وهم كثير من الذي انتهكت حرياتهم ومحاكمة المسؤولين عن ذلك أمثال كسينجر وكلينتون وبوش الأب وفيهم من لا يزالون أحياء مثلا !! أما الجزء الثاني من كلام بوش فهو نفاق محض ، ذلك أن أمريكا نفسها لا تطيق ولا تقبل حكومات منتخبة ومقبولة شعبيًّا ولا تقبل بديمقراطية حقيقية في المنطقة؛ لأن ذلك يقود مباشرة إلى ظهور التيار الإسلامي وثقافة المقاومة وهما خطر على المشروع الأمريكي الصهيوني قطعًا ، ثم إن التاريخ القديم والحديث بل والآتي للولايات المتحدة لا يبشر بذلك؛ فهي أولاً دولة قامت على إبادة شعب آخر ثم استرقت السود ثم مارست طوال تاريخها العدوان على الآخرين وارتكبت من المذابح ما يكفي لتسويد صفحتها، ثم هي التي أسقطت الديمقراطيات ودعمت المستبدين وتآمرت ضد زعماء وطنيين .. إلخ .. ثم هي نفسها التي تدعم إسرائيل التي تنتهك كل حقوق الشعب الفلسطيني يوميًّا على مدار الساعة، وهكذا فإن الحديث عن الديمقراطية أمريكيًّا هو نفاق محض، أضف إلى ذلك أنه على مستوى اللحظة والراهن؛ فإن أمريكا قد ثبت كذبها في موضوع الديمقراطية وحقوق الإنسان في كل من أفغانستان والعراق فلم تحقق في أيٍّ من البلدين لا الرخاء ولا الأمان ولا الديمقراطية؛ بل العكس كان هو الصحيح على طول الخط، فالبطالة زادت والمعاناة الاقتصادية تفاقمت والأمن والأمان ضاعا تمامًا، فضلا عن فقدان الاستقرار والكرامة.

أمريكا فقدت المصداقية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت