فهرس الكتاب

الصفحة 8154 من 27364

ولقد نالت المملكة العربية السعودية قسطًا وافرًا من حملة الدعاية الأمريكية، واعتبر عدد كبير من المفكرين والخبراء الأمريكان أن المجتمع السعودي هو محضن الخلايا الإرهابية؛ نظرًا لطبيعة الظروف السياسية الداخلية وطبيعة التعليم الديني والثقافة [ الوهابية ] المنتشرة فيه، وحظي الفكر الوهابي بجزء كبير من الحملة السياسية والإعلامية الأمريكية؛ فمن أكثر الكتب مبيعًا في الولايات المتحدة الأمريكية في المرحلة السابقة كان كتاب"مملكة الكراهية"The Hat r ed's Kingdom How Saudi A r abia Suppo r ts the New Global Te r ro r ism"لمؤلفه دور جولد Do r e Gold ، والمؤلف هو سفير إسرائيل السابق في الأمم المتحدة ، وهو رئيس مركز القدس للشؤون العامة، وشغل منصب مستشار لرئيس الوزراء الإسرائيلي السابق (بنيامين نتنياهو) ؛ وقد تناول الباحث في الكتاب تاريخ الحكومة السعودية وربط بينها وبين أموال النفط والإرهاب الدولي والعقيدة الوهابية ، مفردًا فصولاً خاصة عن العقيدة الوهابية ودورها في تعبئة المجتمعات العربية والإسلامية بالأفكار المعادية للغرب والتي تنشر البغض والكراهية ضد المجتمعات غير المسلمة، وطالب جولد في نهاية كتابه الحكومةَ السعوديةَ بإثبات جديتها في محاربة الإرهاب من خلال تجميد الأموال التي تدعم من خلالها الحركات الإسلامية، وأيضًا بإجراء إصلاحات تعليمية بنيوية والتخلص من رواسب الفكر الوهابي في مناهج التعليم."

حسنًا.. من خلال النتائج السابقة إلى أي شيء وصل الساسة الأمريكان؟ وإلى ماذا انتهت عشرات الأسئلة والأبحاث الأمريكية التي صدرت بعد أحداث أيلول؟

لقد تمخضت الجدالات والدراسات والخلاصات عن نتائج أساسية بنيت عليها كثير من التصورات الاستراتيجية الأمريكية لمنطقة الشرق الأوسط، وأهم هذه النتائج أن الخطر الكبير الذي يهدد المصالح الغربية في منطقة الشرق الأوسط هو الأصولية الإسلامية ، وأنّ الحلول الأمنية التي اتخذتها الدول العربية والولايات المتحدة لن تؤتي ثمارها؛ لأن الظروف السياسية والاقتصادية والثقافية التي تعيشها البلاد العربية هي التربة التي تنبت فيها بذور الإحباط والغضب وخيبة الأمل، والتي تستثمرها الحركات الأصولية لتجنيد الأعضاء وتكوين الخلايا، وما دامت هذه الظروف موجودة؛ فإنها مرشحة لتفريخ الإرهابيين والمتطرفين الإسلاميين، وبالتالي لا يمكن القضاء على الإرهاب دون إحداث تغييرات جذرية في أوضاع العالم العربي والإسلامي؛ تتمثل هذه التغييرات بنشر الديمقراطية والتحولات الاقتصادية نحو الخصخصة واقتصاد السوق، وتغيير مناهج التعليم (خاصة التعليم الديني) .

من هنا وصل الفكر السياسي الأمريكي إلى أن المعركة مع ما يسميه بالإرهاب الدولي ليست معركة عسكرية أو أمنية فقط؛ وإنما معركة شاملة. وما دام أن كثيرًا من الدول العربية تفتقد إلى الإرادة الجدية في إحداث تحولات سياسية واقتصادية خوفًا على مصالحها المبنية على الفساد السياسي وغياب الشفافية والرقابة؛ فإنّ على الولايات المتحدة أن تمارس ضغوطًا شديدة على الدول العربية لتلتزم بالمضي قُدمًا بالإصلاحات المطلوبة.

وأريد هنا أن أقتبس نصًّا للخبير الأمريكي زيجنو بريجنسكي يوضح لنا منطق الرؤية السابقة، ونصل من خلاله إلى المقدمات والأسباب التي جعلت الإدارة الأمريكية تربط بشكل رئيس بين الديمقراطية والإصلاحات الاقتصادية وبين محاربة الإرهاب (الأمر الذي ظهر في الوثائق الأمريكية فيما بعد) ، قال بريجنسكي:"الحكومات الفاشلة هي التربة الرئيسة التي تولد التطرف الإسلامي ، والسياسات الخاطئة لهذه الحكومات هي التهديد الرئيس لمصالحنا الاستراتيجية، وقد فشلت الحكومات والأحزاب العلمانية في توفير أنماط مستقرة للتنمية الاقتصادية والبنية الأساسية اللازمة لإجراء تغيير اجتماعي ضخم" [انظر زيغنو بريجنسكي ، السياسة الخارجية الأمريكية: تحديات القيادة في القرن 21 ، مجلة شؤون الأوسط ، كانون الأول كانون الثاني 1999] .

إذًا ماذا على الولايات المتحدة أن تفعل؟ .. إنّ عليها أن تدفع الأنظمة العربية باتجاه الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان والخصخصة وسياسات السوق وإصلاح الأنظمة التعليمية ...إلخ.

وهنا يثار تساؤل موضوعي حول جدية الولايات المتحدة في الدعوة إلى الديمقراطية، خاصة أن الديمقراطية والانتخابات النيابية تأتي في كثير من الأحيان بحركات معارضة لها إلى السلطة خاصة الحركات الإسلامية، وربما هذه الإشكالية هي التي جعل منها روبرت ساتلوف معضلة السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، أو ما سماه بـ"الإسلام المعتدل أو الانتخابي"، ويتأسس هذا التساؤل على منطق محكم: وهو أن الولايات المتحدة تدفع العالم العربي إلى الديمقراطية في إطار مواجهتها للحركات الإسلامية؛ فكيف يمكن أن تطالب بالديمقراطية التي تأتي بهذه الحركات؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت