فهرس الكتاب

الصفحة 821 من 27364

ومن نعم الله على الإنسان أن يرزقه عقلًا راسخا , وخاطرًا لا يطيش به حدث , ولا يستخفه موقف , ولا يغيب عن تقدير الواقع , فيذهب بعيدًا في لحظات سخط وانتقام , أو موقف بؤس ويأس , فلم يزل الخير في الأرض كثيرًا , ولم تتمحض الدنيا للشر , ولا للخير , فهما في صراع دائم والله لا يضيع جهد المجتهدين , ونحن في حاجة لإعطاء هذه الأمور قدرها , فها هي أمم جبارة قادرة تطلب من قومها تدبر موقفها النهائي , وتبعث الدارسين للحال , وتتفاهم حتى مع المسلمين طلبًا في مخرج , فليست البساطة والعجلة والنظر القصير والنقمة والاستسلام لفكرة سابقة بقادرة على صناعة مخرج للأمة .. وبعض المتعجلين يزعم استكمال المعرفة بيده , وتحديد طريقة العمل ومستقبل الأمم وحسم المواقف من خاطرة عابرة !! .

ومكاسب الإسلام الكبرى من إقبال الناس عليه ـ لم يسبق لها مثيل ـ بأن تسلم هذه الأعداد أو تحرص على المعرفة , وإن كان منهم دافعه غير معروف , ولكن هناك عدد كبير يبحث الآن بجد وصدق عن الإسلام و أن يكون حلًا لمعاناته .. وزيادة عدد المسلمين والثورة السكانية في بلاد المسلمين حقيقة كبرى من حقائق العصر القادم , والحيوية في البحث عن فكر يبشر بخير كثير , والتساؤل الإسلامي عن المستقبل يكبر , والحوادث تجمع ,, والكراهية للمسلمين قد تصنع بينهم محبة وولاء أيضًا .

وضعف الدول الإسلامية أمر محزن , ولكنه ليس شرًا خالصًا , فقد أعطى تنوعًا , وتحولًا وتحديًا , ورحم الله المسلمين في عصر ذلتهم ألا تكون لهم حكومة واحدة قاهرة , تسيمهم سوء العذاب , فمن رأى التطرف العلماني في تركيا , ورأى تشدد آخرين أيقن أن الله راع ومظهر للحق بين الغالي والجافي .. وتنوع آراء المسلمين ومدارسهم في هذا مهاد صالح للتفكير الصادق والعمل الجاد لنقد الأعمال القائمة والخروج بفكرة وعمل أصلح .. وهناك محاولات جادة في كل زاوية للمراجعة الفكرية عند الأفراد , والجماعات والشعوب , والحكومات .. ومن أسباب ذلك جفاف النبع الفكري الغربي , الذي تعود أن يصدر فكرًا وأن ننجب له أتباعًا .. ولكنه اليوم يقف معترفًا أنه لا يملك شيئًا يقوله , ويدعو للعودة للمسيحية , أو الوثنيات القديمة , فهو مجتمع يهرب من قيمه التي حكم بها العالم , ويجبر الشعوب اليوم على عقيدة ؛ ثم يعلن الحرب عليها من يومه أو غده , كما يحدث للعولمة , فإن المبشرين بها يغتالونها بالضرائب ؛ كضرائب"الحديد"التي فرضت أخيًرا , ووضع الصعوبات في تنقل الأشخاص والبضائع مما لا يعطي ثقة ولا طمأنينة بفكرة حالية أو قادمة .

وإننا بأمس الحاجة لأن نقوم فنتدبر أمرنا , ونعطي لما يحدث مزيدًا من الفهم والوعي , فما كل خصومة تحمل شرًا دائمًا , ولا كل المواقف نقدم لها بالخسارة على الجميع , بل قد يكون في التعاون بين المجتمعات بداية سلم وخير وهدوء ونصر للحق .. ومهما أرعبنا العالم فإن إصرارنا على تقديم الخير لمن يخالفنا , وفي زمن قد يكون خير جواب لموقف الأذى مد يد الهداية والإنقاذ , والذين كانوا يصرون على الصلف كان الأنبياء يصرون على فتح أبواب الأمل والهداية لهم , لأن هذا ما كان الأنبياء يملكونه في تلك اللحظات .. ومن المهم الحرص على إنقاذ أنفسنا من كل ما يسيئ لديننا ولحياتنا الإسلامية , وهذا كفيل بأن يعيننا في صياغة آرائنا في أنفسنا , وفي العالم من حولنا .. وآلامنا الكبرى من واجبنا أن نصنع بها أعمالًا أكبر , وخيرًا للعالم كله , حتى من يفكر بالانتقام والقتل للمسلمين علينا أن نمد له يد الهداية الواثقة , لأن الجهل والتجبر لا يعود بخير على أحد .

الهوامش

1 ـ كينيث ويلش"تشيني خارج المخبأ"مجلة"يو إس نيوز آند وورلد ريبورت"عدد 25 مارس 2002 م ص 18: 20 .

2 ـ إذاعة"ناشيونال ببلك رايدو"يوم الخميس 11/4/2002 م .

3 ـ مجلة"موثر جونز"عدد شهر جون 2002 م , من مقال عن الإرساليات في العالم الإسلامي بعنوان"الاستراق الصليبي".

4 ـ صدر قبل أحداث نيويورك كتاب إنذار للغرب سماه مؤلفه بيوكانن"موت الغرب"وحاز على اهتمام كبير وأصبح من الكتب الأكثر مبيعًا في أمريكا , وحذر الكاتب من مشكلة الانهيار في معدل الولادة لدى البيض , وانهيار الوضع الديني , فالكنائس في أوروبا كما يقول تغلق أو تحول إلى مساجد .. والجنس الأبيض يندثر .

المصدر مجلة المنار الجديد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت