وهناك الرّجل الشّيطان نفسه ينتهك الحرمات، ويلَغ في الأعراض بلا أدنى إحساس من ضمير، وهو ولاشك عضو مرفوض من مجتمع المؤمنين؛ لذلك رفض الرسول أنْ يتهاون مع الرجل الذي أراد الدّخول في الإسلام بشرط أنْ تترك له حرية الزّنا وأفهمه بمنطق بسيط وواضح أنّ الحُرُمات كلها مقدسة، فهل يرضى أحد أن تنتهك حرمة أمه أو أخته أو زوجه؟
كذلك فالتائب والتائبة متساويان ويتقبلهما المجتمع الإسلامي بكل ترحاب، وهذا ما دفع الرسول صلى الله علبه وسلم أنْ يُعلّق على توبة الغامديّة بقوله:"إنها تابت توبة لو وزّعت على أهل الأرض لكفتهم" (8) هذا هو موقف الإسلام منذ اللحظة الأولى التي يواجه فيها هذا النوع من الجرائم فقبل تقرير حد معين على الزنا قال تعالى:" (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً) [النساء:15] "
ولأنّه من الصّعوبة بمكان أنْ يحبس الرجل طول عمره فكانت عقوبته الإيذاء متروكا لضمير الجماعة المؤمنة (وَالَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا...) [النساء: من الآية16] ، ثم نزلت (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ... ) (النور: من الآية2) وزاد بعض العلماء تغريب الشاب سنة كاملة، ولم يضيفوا عقوبة للمرأة وحتى أثناء الجلد يُعَرّى ظهر الرجل، أما المرأة حتى وهي زانية فإنّ سترها واجب وأمّا المحصن والمحصنة فجرت سنّة الرسو صلى الله عليه وسلم العمليّة على رجمهما لا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة، وإذا اتّهم الزوجُ زوجَته بمثل هذه الجريمة بلا شهود على قوله فسُنّ لذلك الملاعنة التي تفسخ الزّواج، ولم يُسَنّ له قتل الزوجة مثلا، والعقاب في كل هذه الجرائم يتمّ عن طريق السّلطة الشرعيّة، وليس موكولا للأفراد؛ للانتقام بوسائلهم الخاصة كما نرى من بعض الجَهَلة هذه الأيام.
جرائم الشرف .. رُؤية مجتمعيّة .
لكن إذا كان هذا موقف الشّرع من الجرائم الخلقيّة الشهيرة بجرائم الشرف فلماذا يُحَمّل المجتمعُ المرأةَ الوِزْرَ الأكبرَ من هذه الخطيئة؟ ولماذا تظلّ التائبة موضع شكّ ورِيبة واتهام؟ لا بدّ قبل إدانة المجتمع وجلده واتهامه بمجافاة روح الشّرع (الذي ساوى بين الرّجل والمرأة في الجريمة والعقاب مثلما ساوى بينهما في إمكانية اكتساب الفضيلة والتدرج في مراتب السّموّ الرفعة) أقول لا بدّ قبل الإدانة من تفهم الأسباب التي دعت المجتمع إلى ذلك .. فمن ذلك أنّ خوف المجتمع على المرأة أشدّ من خوفه على الرجل؛ لأنّ المرأة هي الخاسر الأكبر من جرّاء هذه العلاقة غير المشروعة فالمرأة لها طبيعة نفسيّة تختلف عن طبيعة الرجل النفسيّة؛ فالصّدمة التي تشعر بها المرأة عندما تدرك حجم الخطأ الذي وقعت فيه،ونظرتها المُزرية لنفسها أمر قد يؤدي بها إلى الانتحار، وهي لا تتحمل العلاقات العابرة التي لا تؤصل لمفهوم الاستقرار والسكن الذي هو أمر غريزي لدى المرأة ،والأخطر من ذلك أنّ هذه العلاقة قد تترك خلفها روحا بريئة تتحمل المرأة وحدها عبء مسؤوليتها؛ فكثير من الفتيات الأمريكيّات -على سبيل المثال- اختفى من حياتهنّ الصّديق الذي شاركهنّ الإثم ساعةً ليتركهنّ وحدهنّ يتجرعن طعم المأساة المرة؛ فهنّ بحاجة إلى المال كي تنفق إحداهنّ على نفسها وطفلها وقد تلجأ للإجهاض الذي قد يودي بحياتهما ... الخ .
فالمجتمع يريد أنْ يحمي المرأة من كل هذه الآلام التي قد تتحملها وحدها؛ فيقسو عليها حتى يجعل وقوعها في الخطيئة أمرًا بالغ الصعوبة .
ومن أسباب تشدّد المجتمع تجاه المرأة،أنّه بذلك يغلق الباب أمام فساد المجتمع كله؛ فلو أنّ جميع النساء ملتزمات فمع من سينحرف الرّجال ؟!
وكذلك من أساب هذا التّشدد أنّ المرأة أقدر بطبيعتها أنْ تتحكم في أحاسيسها وغريزتها، يؤكد ذلك جميع العلماء الذين درسوا الجنس بين الرجل والمرأة وعلى رأسهم فرويد .
وعلى الرغم من ذلك فالمجتمع في مجمله يزدري الرجل المنحرف أشدّ الازدراء، ويرفضه ويندّد به؛ فليس صحيحًا أنّه يتساهل معه، أو يتقبّله ببساطة كما يدّعي البعض؛ فالفارق بين الرجل والمرأة هو اختلاف في درجة العقاب الماديّ والمعنويّ، وليس الهدف من ذلك إبراء مجتمعاتنا من كل نقيصة أو خطأ، ولكنّها محاولة للفهم الصّحيح بعيدًا عن الفهم المتطرّف الذي يلوي أعناق الحقائق للوصول إلى نتائج موضوعة سلفًا.
(2) انظر على سبيل المثال رواية"الباحثة عن الحب"لنوال السّعداوي، وكذلك رواية"زهرة"للكاتبة اللبنانيّة حنان الشيخ.
(3) نسائي أم نسوي ص80 بتصرّف يسير
(4) رواه الترمذي.
(5) من تخريج أحاديث الإحياء عن خالد بن يزيد.
(6) رواه أحمد.
(7) رواه البخاري ومسلم.
(8) رواه مسلم