فهرس الكتاب
هل سبب تأخر كل هذا لا يعدو أن يكون تعثر المشاريع الأمريكية في العراق فحسب؟ أم أن الحقيقة ليست على نفس هذا القدر من البساطة، وأن تقارباً عملياً وقع بين الطرفين، وجعل الأمور تتجه بعد ذلك في غير الاتجاهات المتوقعة؟ الواقع أن الثانية هي الأصح بما أن العقيد الليبي أعلن صراحة عزم ليبيا التخلي النهائي عن كل برامج أسلحة التدمير الشامل لديها -هذا إن كان لديها هذه الأنواع من البرامج أصلاً- في كانون الأول/ديسمبر 2003 ثم قراره بعد ذلك أن تقوم الجماهيرية بدفع مليارات الدولارات تعويضا عن قتلى حوادث طائرة (البانام) فوق سماء لوكربي الاسكتلندية 1988 و الطائرة الفرنسية فوق صحراء النيجر عام 1989، و قبلها حادث تفجير ملهى"لا بال"في برلين الغربية عام 1986 .
هذه التغيرات لم تكن لتمر من غير أن تتحوّل العلاقة بين طرابلس و الغرب على وجه العموم من أقصى التنافر إلى أوثق روابط الود، و شهدت"خيمة الأخ القائد"في سيرت زيارات لشخصيات و قيادات غربية من بيرلسكوني الإيطالي و رئيس وزراء إسبانيا السابق خوسيه ماريا أثنار إلى الوزير الأول البريطاني توني بلير، و حتى الرئيس الفرنسي شيراك من غير أن ننسى الحديث المتداول مؤخراً عن إمكانية قدوم بوش نفسه إلى هناك. هل يعني هذا أن الزعيم القذافي أصبح متحمساً لهذه الفكرة الأخيرة إلى درجة أن يقدم على خطوة على هذا القدر من الجرأة، و يقوم بزيارة إسرائيل حتى يضطر الرئيس بوش إلى رد التحية بأحسن منها؟
أنا لا أستبعد هذا الأمر، و إذا كان وزير خارجية ليبيا عبد الرحمن شلقم قد أعلن أن هذا الأمر غير وارد في أجندة معمر القذافي؛ فالواقع يطلعنا أن هذا الأخير لم يكن يوماً شخصاً تحكمه الأجندات؛ فلقد ظل منذ وصوله إلى السلطة، في الانقلاب الذي دبره هو بنفسه مع جهات- لسنا مضطرين إلى ذكرها- في غرة أيلول/سبتمبر 1969 على الملك إدريس الأول، شخصاً لا تحكمه سوى الأمزجة الحادة التي جعلته يستدير دورة كاملة من التغني بأمجاد العروبة إلى الالتحام الكامل مع مشاريع تحمل نفس مقومات الفشل المسبق كالتي تحملها الجامعة العربية و نعني بها مشروع الاتحاد الإفريقي.
من العروبة إلى الأفرقة
كلنا يذكر تلك الملاسنة التي جرت في قمة شرم الشيخ 2003، و هي الحادثة التي نستطيع أن نقول: إنها كانت الدليل الأكبر على أن هذا العقيد صار شخصاً"غير مرغوب فيه"في المشاريع العربية، حتى وإن كانت بلاده لا تزال حتى الساعة عضواً في هذه الجامعة على الرغم من بعض القفزات الاستعراضية التي ما انفك هذا القائد يبديها مرة تلو أخرى، ثم إنه يجب علينا ألاّ ننسى أن نظام معاوية ولد الطايع في موريتانيا الذي أطاح به انقلاب الثالث من شهر آب/أغسطس الأخير، لم يخف يوماً اتهاماته لطرابلس بوقوفها خلف المحاولات الانقلابية الكثيرة التي كانت نواكشوط مسرحاً لها.
هذا يعني بما لا يدع مجالاً للشك بأن القائد الليبي صار الآن لا يهتم إلا بالتعاون، أو بالأحرى، الإشراف على العمل الإفريقي و لعل المؤتمر الذي نُظّم في مسقط رأسه سيرت في أوائل الشهر الحالي بمناسبة ذكرى إعلان تأسيس الاتحاد الإفريقي لدليل على أن القذافي الذي أفنى سنوات طويلة من عمر ثورته في توزيع الأموال على المناهضين للإمبريالية في العالم العربي و غيره، صار الآن لا يدفع فلساً إلا لأشد المتحمسين لمشروع"الولايات المتحدة الإفريقية"-مثلما يُسمّي الاتحاد- مع الحرص الكامل على ألاّ تتعارض مصالح هذه المشروع، الذي يحمل جينات الفشل في أحشائه، مع مشاريع أخرى كتلك التي تتولى الولايات المتحدة السير فيها، و نعني بها هنا مشروع الشرق الأوسط الكبير مثلاً.
هل يستفيد المواطن الليبي من هذا التحول؟
الواقع أن الليبيين كانوا دائماً آخر من يسمع عن التحوّلات"الإستراتيجية"في ذهن القذافي، و بالتالي فلن يكون غريباً أن تجد أن الليبيين صاروا لا يكترثون كثيراً لمثل هذه التغيرات بما أنهم ألفوا تلك الوثبات التي لا تجلب عليهم في النهاية غير مزيد من الأزمات الاقتصادية و المالية، و أما الحديث عن التحوّلات السياسية فهو لا يزال في طور التخمين في طرابلس بما أن العقيد القذافي لم يقم حتى الساعة باعتماد أي إجراء قد يفيد بقرب تحقق بعض الإصلاحات السياسية، على الرغم من أن تصريحات سيف الإسلام كانت تصب في هذا الاتجاه حينما قال: إن سلطات بلاده سوف تقوم بالإفراج قريباً عن عدة عشرات من معتقلي الرأي من تيار الإخوان المسلمين على وجه أخص، إلا أن قرار الوالد في ذكرى"ثورة الفاتح"الأخيرة لم يكن غير إفراجه عما يناهز (1600) سجين من سجناء الحق العام.
إن سيف الإسلام لا يشغل رسمياً أي منصب في الدولة، و هذا من شأنه أن يعني بأن تصريحاته لا تعني الأب في شيء إلا أنها-في تقديري- بالونات اختبار تطلقها الأجهزة الدعائية للسلطات الليبية بغية جس نبض الخارج و الداخل معاً من غير أن يكون لها أي مفعول على الأرض؛ مما يعني أنها لا تُوجه في الظرف الحالي سوى للاستهلاك الإعلامي.