كتب عالم الاجتماع الإيطالي أنطونيو غرامسكي في سنة 1925"إن إحدى العقبات الرئيسية أمام التغيير هي أن القوى المهيمنة تعيد إنتاج أيدولوجية الهيمنة، ومن المهام الجليلة والملحة تطوير تفسيرات بديلة للواقع، ويذكر روبرت مكنمارا في الفيلم الوثائقي"ضباب الحرب"اعترافا مثيرا للاهتمام، فهو يستشهد بقول الجنرال كورتي ليماي، وكان قد خدم معه في فترة قصف المدن اليابانية بالقنابل الحارقة في الحرب العالمية الثانية،"لو خسرنا الحرب لكنا حوكمنا جميعا كمجرمي حرب"فما الذي يجعل الحرب غير أخلاقية إذا خسرت وأخلاقية إذا ربحت؟"
إن الإستراتيجية الأميركية التي تفسر السلوك الأميركي الأخير هي إستراتيجية الدفاع الوقائي، وهي كما تقول مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأميركية في عهد كليتنون كانت موجودة في جيب أي رئيس، ولكن بوش الابن هو من استخدمها، وقد علق هنري كيسنجر على هذه الإستراتيجية بأنها تمزق ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، بل وتلغي منظومة وستفاليا للقانون الدولي التي وضعت في القرن السابع عشر.
وقد وافق كيسنجر على هذا المذهب، لكنه أضاف شرطا واحدا: يجب علينا جميعا أن ندرك أن هذا المذهب لنا، وليس لأي أحد آخر، سنستخدم القوة متى شئنا ضد كل من نعتبره تهديدا محتملا، وربما فوضنا هذا الحق إلى دولة تابعة، لكن ليس للآخرين.
لقد ارتكبت الولايات المتحدة الأميركية جرائم حرب كبرى في عهد ريغان على سبيل المثال، فقد قتل مائتي ألف مواطن على الأقل في أميركا اللاتينية، ولكن عندما ترتكب الولايات المتحدة هذه الجرائم فإنها تعتبر كأن لم تحدث.
وكان الشخص المسؤول عن إحدى مكونات هذا الإرهاب، حرب الكونترا في نيكاراغوا هو جون نيغروبونتي، السفير الأميركي في هندوراس، والذي كان يلقب بحاكم مقاطعة هندوراس، ثم عمل سفيرا في العراق، وقد كتبت صحيفة وول ستريت جورنا مقالة تشير فيها إلى أن نيغروبونتي ذاهب إلى العراق كحاكم مقاطعة حديث، وأنه تعلم مهنته في هندرواس في الثمانينيات عندما كان مسؤولا عن أكبر محطة للاستخبارات الأميركية في العالم، وهو الآن مسؤول عن أكبر سفارة أميركية في العالم.
إستراتيجية الدفاع الوقائي الأميركية، تقول عنها مادلين أولبرايت إنها كانت موجودة في جيب أي رئيس ولكن بوش الابن هو من استخدمها، وكيسنجر يصفها بأنها تمزق ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي
ونشرت صحيفة نيويورك تايمز مقالة عن مداولات جرت بين هنري كيسنجر وريتشارد نيكسون، واشتملت على جملة مثيرة للدهشة، وقد حاول كيسنجر في المحاكم منع نشرها، ولكن المحاكم سمحت بذلك. كان نيكسون يريد شن هجوم على كمبوديا تحت ذريعة نقل المؤن جوا، يقول نيكسون: أريد ضرب كل شيء، وينقل كيسنجر الأمر إلى البنتاغون بتنفيذ حملة قصف واسعة النطاق في كمبوديا على كل ما يطير أو يتحرك.
وهي أكثر الدعوات في السجل التاريخي الأميركي صراحة لارتكاب الإبادة الجماعية، وقد أطلقت الأوامر نفسها في الفلوجة في العراق، لقد مرت المداولات الخطية بين نيكسون وكيسنجر بدون تعليق أو رد فعل، إن وجوب كبت الذاكرة سياسة يدركها جيدا الحكام الإمبرياليون.
يقول برتراند رسل: إن من طبيعة الإمبريالية أن مواطني القوة الإمبريالية هم آخر من يعلم دائما عن الظروف السائدة في المستعمرات أو يهتم بها، والواقع أنهم يهتمون ولهذا فإنهم آخر من يعلم، لأنهم يتعرضون لحملات واسعة النطاق من الدعاية الصريحة أو الصامتة، فالتزام الصمت تجاه الجرائم هي دعاية أيضا، وإذا عرف الناس بجريمة فلن يسمحوا لها بالاستمرار، لقد أبيدت مدن وقرى في الستينيات ولكن مثل ذلك لم يحدث في العراق لأن الرأي العام كان أكثر حضورا.
إن الوثائق السرية غالبا ما تخفى عن السكان المحليين خشية من الاهتمام الذي يبديه الناس، وما زال كثير من الوثائق يخضع للحظر رغم مرور أكثر من ثلاثين سنة عليها، وذلك خلافا للقانون الأميركي، مثل وثائق حول ما حدث في غواتيمالا عام 1954، وما حدث في إيران سنة 1953.
ويحمل غلاف كتاب إقبال أحمد"الإرهاب: إرهابهم وإرهابنا"صورة لريغان في مكتبه وهو يلتقي قادة المجاهدين الأفغان، وتلك صورة لا تروج لأنها تعبر عن الدور الأميركي الفعال في دعم المجاهدين الذين تحولوا لاحقا إلى طالبان، لقد ساعدت الولايات المتحدة بفعالية في تنظيمهم وتمويلهم وحشد الإسلاميين المتشددين حولهم من جميع أنحاء العالم.
عالم محتمل آخر
هناك اتجاهان متضاربان في السياسة الخارجية الأميركية، أحدهما يدعى المثالية الويلسونية، وهي التي تستند إلى النوايا النبيلة، والثاني يدعى الواقعية الرصينة، وهي تقول إن علينا أن ندرك حدود نوايانا الحسنة، وفي بعض الأحيان لا يمكن تحقيق نوايانا الحسنة في العالم الحقيقي.