ومن شأن الموقف الجزائري الداعم لمشروع الاتحاد المتوسطي أن يسهل الطريق أمام ساركوزي في شرحه للمبادرة لبقية الدول الأخرى، ويجعله يربح الكثير من الوقت مع الشركاء الآخرين الذين سيزورهم رئيس دبلوماسيتها"برنار كوشنار"لعرض مشروع ساركوزي الذي وعد بعقد قمة للرؤساء المنخرطين في المبادرة في النصف الأول من عام 2008م.
ويكون نجاح ساركوزي في الحصول"نعم"الجزائرية، وراء تأجيل كل المباحثات المتعلقة بالتأشيرات، الغاز، الذاكرة والشراكة الاقتصادية إلى موعد جديد آخر لزيارة دولة تدوم ثلاثة أيام يقوم بها للجزائر في شهر نوفمبر، ووصفت جريدة"لوموند"هذه الزيارة بأنها"أسعدت كثيراً المسؤولين الجزائريين"النتيجة الملموسة الوحيدة في زيارة ساركوزي المغاربية..
مستقبل مشروعات الطاقة: ويتوقع الخبراء أن يحظى موضوع التعاون الفرنسي الجزائري في مجال إنتاج ونقل الغاز وتزويد السوق الفرنسي بالغاز، أن يحظى بحيز واسع على أجندة الطرفين، إلى جانب موضوع الاتحاد المتوسطي، إحدى أوراق الرئيس الفرنسي الانتخابية.
ويطرح الشارع الجزائري العديد من التساؤلات حول الخلفية التي تحكم مثل هذه الأجندة؟ وما ستقدمه الجزائر من رؤى لفرنسا في ضوء الخلاف الذي نشب بين الجزائر وإسبانيا المنافس الشرس لفرنسا على سوق الطاقة في المتوسط؟
يرى الخبير الاقتصادي الجزائري بشير مصطفى أن دراسة التركيبة السكانية المتوقعة في دول الاتحاد الأوروبي للعام 2030م تؤكد ملامح أزمة حقيقية، ستمس وقود التدفئة لملايين السكان في أوروبا..
وتشير الأرقام إلى أن دول الاتحاد الأوروبي ستشهد انخفاضاً في الإنتاج المحلي من الغاز، يقدر بنحو 30% (من 239 مليار متر مكعب حالياً إلى 173 مليار متر مكعب) ، في الوقت الذي يزيد فيه الطلب على الغاز بنسبة 24% (من 537 مليار متر مكعب حالياً إلى 666 مليار متر مكعب العام 2030م) ، معنى ذلك بلغة الحساب الاقتصادي تفاقم تبعية الاتحاد الأوروبي للخارج بنسبة تقدر بحوالي 23% (من 57% حاليا إلى 80% العام 2030م) .
وللحفاظ على الوضعية الحالية تفكر دول الاتحاد الأوروبي في تأمين إمدادات الوقود عن طريق الاستحواذ على حصة جديدة من سوق الطاقة في العالم لا تقل عن 23% من حصتها الحالية.
وعلى هذه الخلفية اتخذت إسبانيا موقفها من مشروع"ميد غاز"الجزائري الإسباني، وهو موقف متبدل لكنه متكيف مع معطيات جديدة برزت إلى السطح. فالإسبان حسموا أمرهم عن طريق اللجنة الوطنية للطاقة الإسبانية، وهم مستعدون للتضحية بالمشروع كله أمام البدائل التي مازال يصنعها الحراك الدولي في مجال الطاقة، ولاسيما دخول روسيا على خط مضاعفة تصدير الغاز إلى أوروبا.
والملاحظ على الطرفين الإسباني والفرنسي، أن الأول يفضل الحل التقني الذي تضعه اللجنة الوطنية للطاقة في إسبانيا بعيداً عن الموقف الدبلوماسي، بينما تفضل فرنسا الحل التفاوضي على أعلى مستوى سياسي.. فهل تستمر الجزائر في محاولة كسر جمود الموقف الإسباني؟ أم أنها ستستثمر زيارة الرئيس الفرنسي لتقنع الشركة الفرنسية"غاز دي فرانس"بشراء حصة الطرف الإسباني؟
في كل الأحوال نشهد حالياً تحولاً في خريطة الطاقة الجزائرية من بلد مصدر للنفط، إلى مصدر للغاز مع ما يحمله ذلك من دلالات. ومعنى ذلك أن يستمر البلد كساحة صراع بين عملاء الجزائر القياديين على ما تبقى من احتياطي للغاز، وكل طرف يرغب في حصة أكبر لمدى أبعد من دول تشير جميع الدراسات إلى أن احتياطياتها من الطاقة لن تستمر لأكثر من نصف قرن آخر.