فقد كشفت صحيفة"يديعوت أحرونوت"الصهيونية، عن وجود اتصالات رسمية بين حكومتي الكيان الصهيوني وتشاد بهدف إعادة العلاقات الدبلوماسية، والتي انقطعت منذ السبعينيات من القرن الماضي، وأن المدير العام لوزارة الخارجية الصهيونية"يوآف بيران"قام بزيارة سرية لتشاد أجرى خلالها لقاءات مع مسؤولين تشاديين كبار. وتبع ذلك قيام وزير الخارجية التشادي"ناجوم ياماسوم"بزيارة سرية مماثلة إلى الكيان الصهيوني
أما النخبة الحاكمة فترى أنه من أجل الحفاظ على مقاليد الحكم يجب التقارب مع أمريكا، وهذا التقارب لا بدّ أن يمرّ عبر بوابة الكيان الصهيوني، وعبر نشر الثقافة الأمريكية و"القيم"الأمريكية! لذا كان توقيت بدء العلاقات مع الكيان الصهيوني وإعادة طرح مشروع قانون الأسرة متزامنين، وكأن هناك وعوداً أمريكية بمساعدة الطبقة الحاكمة بتثبيت جذورها في الحكم وتوفير الحماية اللازمة لها مقابل البترول والثروات التشادية الأخرى.
معقل الإسلام
لذا لم يكن غريباً تلك الزيارة التي قامت بها الملحقية الثقافية بالسفارة الأمريكية في أنجمينا مع وفد أمريكي جاء خصيصاً لزيارة أهم معاقل الدعوة الإسلامية في البلاد، وهي مدينة"بحر الغزال" (300 كلم من العاصمة) حيث زاروا المدارس العربية والإسلامية، والمحكمة الشرعية. وكان محور أسئلتهم يدور حول المنهج الدراسي في هذه المدارس، وخاصة القرآن الكريم والسنّة النبوية، والقدر الذي يُدَّرس منهما، وما هي الجهات الداعمة والمؤسسة لهذه المدارس؟! وأسئلة كثيرة.
فهل هذه الزيارات لمعاقل الدعوة الإسلامية تصب في إطار دراسة ردود الفعل من أبناء هذه المدن؟! وخاصة أنهم الآن يقودون حملة التوعية الإسلامية والدفاع عن اللغة العربية في البلاد، ويقفون ضد هذا التطبيع وضد مدونة الأحوال الشخصية بقوة؟! علماً أن الشرارة الأولى لثورة"فرولينا"الإسلامية اندلعت ضد فرنسا وعملائها من هذه المدن!
ومع هذا فإن الحكومة لا تبالي كثيراً بكل هذه التحركات، وستمضي قدماً في هذا المشروع وفقاً للإملاءات الخارجية وخاصة الأمريكية، وإن أدى ذلك إلى تكميم الأفواه بالسجن أو القتل أو بإعطاء الامتيازات لأصحاب التوجّه"الإسلام الأمريكي"في البلاد بتقريبهم وإبعاد كل من يعارض هذا القانون.
وقد وردت في تقرير مؤسسة"راند"للأبحاث الأمريكية الأخير توصية بتشجيع مجموعات إسلامية موالية في الفكر والطرح للغرب تحت رداء الإسلام حيث يقول التقرير:"إن المسلمين الليبراليين والمعتدلين لا يملكون شبكات فعالة كالتي أنشأها المتطرفون، وعليه من الضروري إنشاء شبكة عالمية للمسلمين المعتدلين لنشر الرسائل المعتدلة في جميع أنحاء العالم الإسلامي، ولتوفير الحماية للجماعات المعتدلة، وقد تكون هنالك حاجة لقيام الولايات المتحدة بمساعدة المعتدلين الذين يفتقرون إلى الموارد اللازمة لإنشاء هذه الشبكات بأنفسهم".
ويظهر هذا في التوجّه الذي يقوده رئيس المجلس الأعلى الإسلامي في تشاد، من موافقته على هذا المشروع، وتبنّيه خطاً بالإمكان أن نطلق عليه حسب التعبير الأمريكي"معتدلاً"وحسب تعبير سيد قطب رحمه الله تعالى"الإسلام الأمريكي"فقد كان من أوائل الذين أيدّوا المشروع الجديد لهذا التصور العلماني والغريب على المجتمع التشادي المسلم، مع أن بريجنسكي مستشار الأمن القومي الأمريكي يقول:"إن المجتمع المنغمس في الشهوات لا يستطيع أن يسن قانوناً أخلاقياً للعالم، وإن أي حضارة لا تستطيع أن تقدم قيادة أخلاقية سوف تتلاشى"، مع ذلك فإن هناك من يدعو إلى ما يسميه"القيم الأمريكية"! مع أن تشاد دولة إسلامية وقامت على أراضيها ممالك إسلامية مشهورة حكمت كثيراً من بقاع إفريقيا، واستمرت سنين عديدة تنشر الإسلام وسط المجتمعات الوثنية، وما زال هذا الدور جلياً في كثير من الدول المجاورة.. فهل يمكن أن تقبل"القيم"الأمريكية بهذه السهولة، وبهذه الإملاءات؟