ومثلما التقط الفلسطينيون الخيط الأمريكي الداعي للإصلاح وقالوا:"بيدي لا بيد عمرو"، ودعوا لإصلاحات داخلية حقيقية، معترفين بوجود حاجة قديمة للإصلاح تأخرت، ولا بد من وضع حد للفساد الذي استشرى بين بعض الوزارات والأشخاص على الطريقة الفلسطينية الخاصة -لا الإسرائيلية أو الأمريكية- لوحظ أن كتابا ومفكرين مصريين وعربا تحدثوا بالمثل عن الحاجة إلى إصلاحات داخلية في الدول العربية.
وقال بعضهم بوضوح -أغضب حكومات ومنع نشر آرائهم هذه في صحف رسمية-: إن الإصلاح يجب أن يبدأ من داخل الدول العربية قبل أن يُفرض عليها.
فقد كتب صلاح الدين حافظ نائب رئيس تحرير صحيفة الأهرام مقالا كان من المفترض أن يُنشر يوم 3 يوليه الجاري في جريدة الأهرام تحت عنوان"كيف نجري الإصلاح الديمقراطي بأيدينا؟"، ولكن ما تضمنه كان كفيلا بمنعه من النشر ونشرته صحيفة"العربي"الناصرية يوم 7 يوليه تحت عنوان"المقال الممنوع"!
فقد قال حافظ:"إن هناك ضرورة بل ضرورات لإجراء إصلاح دستوري سياسي في بلادنا يفتح الباب واسعا من الآن فصاعدا لديمقراطية حقيقية وراسخة ومستمرة.. إصلاح نجريه بأيدينا وعن قناعة بأهميته وضرورته الحتمية، وليس استجابة لضغوط أمريكية أو تهديد أجنبي".
وقال: إن"بلدا مثل مصر بكل ما تملكه من إمكانيات مادية وبشرية… ومن موروث تجارب سياسية ونظم حكم تطورت وتقلبت… هي الأكثر استعدادا وتهيؤا للتطور الديمقراطي العميق".
وبعد أن عدَّد حافظ السلبيات من حيث: نقص عملية تبادل المواقع وتداول السلطة، ونقص حرية إصدار الصحف، والقوانين المقيدة للحريات، ونقص الإشراف الكامل على الانتخابات وغيرها، قال:"كيف نجري الإصلاح الديمقراطي المنشود بأيدينا لا بأيدي غيرنا؟".
ثم حدد أربعة أنواع من الإصلاحات تحدث عنها بالتفصيل هي:
-إصلاح قانوني تشريعي كامل وعلى رأسه تعديل الدستور.
-إصلاح سياسي - اقتصادي.
-إصلاح اجتماعي.
-إصلاح ثقافي تعليمي معرفي واسع.
وختم بقوله:"جاء دورنا لكي نستأنف المسيرة الإصلاحية ونعيد بناء الإصلاح الديمقراطي وفق مطالبنا ووفق مطالبنا وحاجاتنا الضرورية"و"أصبح الأمر أمر ضرورات حتمية حاكمة ولازمة. فلنفعل الأصح بأيدينا بدلا من أن يُفرض علينا الأسوأ بأيدي غيرنا"!
وما قاله صلاح حافظ عاد مكرم محمد أحمد نقيب الصحفيين السابق، رئيس تحرير المصور ليقوله بشكل مختصر في مقاله الأخير يوم 12 يوليه 2002 عن"شرعية ثورة يوليو بعد مرور 50 عاما على الثورة".
فبعد أن استعرض إنجازات وسلبيات ثورة يوليه وشرعيتها بعد مرور 50 عاما قال مكرم: إن"جوهر الشرعية الجديدة في استنادها إلى ديمقراطية حقيقية صحيحة تقوم على التعدد الحزبي، ويمارس المجتمع من خلاله انتخابات حرة ونظيفة".
واستطرد يقول:"هل يمكن أن نعتبر إشراف القضاء المصري على الانتخابات النيابية في مصر أول علامات هذه الشرعية الجديدة؟".
وقد تناول كُتاب عرب آخرون هذا الأمر (الإصلاحات العربية) بكثير من التفصيل، وأبدوا ذات المخاوف من فرض أمريكا إصلاحات معينة على هذه الدول ما لم تبادر هي لتنفيذ إصلاحات حقيقية تفيد البلاد، فيما سخر آخرون من المطالب الأمريكية، معتبرين أن الإصلاح سيكون في المحصلة النهائية ضررا على أمريكا؛ لأنه سيأتي بالقوى الشعبية الحقيقية على رأس الحكم، وهذه لن تكون إرادتها مرتهنة للأمريكان لأنهم لا يخشون إلا شعوبهم!
الحزب الوطني المصري بين الجديد والقديم
وقد تزامنت هذه الدعوات الغربية للإصلاح السياسي في العالم العربي مع قيام بعض الدول العربية بخطوات سياسية تندرج تحت مسمى الإصلاح السياسي، مثل إعلان البحرين إجراء انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل 2002، وسعي قطر لتشكيل برلمان منتخب، وإجراء الجزائر انتخابات قيل إنها حرة لأول مرة منذ انتخابات 1990 رغم ما شابها من عيوب.
ومن هذه الخطوات أيضا إعلان الحزب الوطني المصري الحاكم الذي يرأسه الرئيس مبارك القيام بنوع من التطوير عبر انتخابات من القاعدة للقمة، وهو ما قد يوحي بأنه يندرج ضمن خطط الإصلاح التي يثور الحديث عنها.
ولأن غالبية ما قيل عن إصلاحات عربية جاء على لسان كُتاب مصريين، ولم تعلن دول عربية أخرى خطوات سياسية داخلية هامة، إضافة إلى تشديد الرئيس مبارك على إصلاح الحزب الحاكم المصري، فمن الطبيعي أن تتركز الأنظار على مصر أكثر وتجربتها الحالية.
والحقيقة أن خطط تطوير الحزب الحاكم المصري تعود إلى ما قبل إثارة مسألة الإصلاحات في العالم العربي، ولكنها تصاعدت مع تعيين ابن الرئيس المصري جمال مبارك في هيئة المكتب السياسي للحزب العام الماضي، والحديث المتكرر عن قرب تصعيده لقيادة الحزب في أعقاب الانتخابات الحالية الدائرة في مكاتب الحزب الفرعية التي ستختتم بالمؤتمر العام الثامن للحزب برئاسة الرئيس المصري حسني مبارك خلال الفترة من 15 إلى 17 سبتمبر المقبل.