فهرس الكتاب

الصفحة 8455 من 27364

وسيفكر المؤرخون في المستقبل مليا بحقيقة استثنائية لا يمكن إنكارها: إن الدول الحرة تزداد قوة بمرور الوقت في حين تزداد الدكتاتوريات ضعفا. وقد تصوّر البعض في منتصف القرن العشرين أن التخطيط المركزي وإخضاع المجتمع لتنظيم صارم يشكل طريقا مختصرة لتحقيق القوة القومية. والواقع هو أن الازدهار والحيوية الاجتماعية والتقدم التكنولوجي لشعب ما تتحدد جميعا بشكل مباشر وفقا لمدى حريته. إن الحرية تحترم قدرة البشر الإبداعية وتطلق العنان لها، والإبداع هو ما يحدد قوة وثراء الشعوب. إن الحرية هي خطة الله للإنسانية، وهي في نفس الوقت أفضل أمل للتقدم هنا على الأرض.

وفي حين أن تقدم الحرية اتجاه قوي، إلا أننا نعرف أيضا أنه يمكن فقدان الحرية إن لم يتم الدفاع عنها. ذلك أن نجاح الحرية لا يتحقق بفعل شكل من أشكال الديالكتيك أو الجدل التاريخي. إن نجاح الديمقراطية يقوم على خيارات الشعوب الحرة وشجاعتها وعلى استعدادها للتضحية.

وقد أظهر الأمريكيون بوفرة استعدادنا للتضحية في سبيل الحرية في خنادق الحرب العالمية الأولى، وفي حرب على جبهتين في الأربعينيات من القرن الماضي، وفي المعارك الصعبة في كوريا وفيتنام، وفي مهمات الإنقاذ والتحرير التي قاموا بها في كل قارة تقريبا. ولم تحظ تضحيات الأمريكيين دوما بالاعتراف والتقدير، ولكنها كانت في سبيل ما يستحقها.

وقد أصبحت ألمانيا واليابان دولتين ديمقراطيتين ولم تعدا تشكلان تهديدا للعالم نتيجة لثباتنا وثبات حلفائنا. وقد انتهى مأزق التعادل النووي العالمي مع الاتحاد السوفيتي بشكل سلمي، كما انتهى الاتحاد السوفيتي نفسه. والدول الأوروبية آخذة في التحرك الآن نحو الوحدة، لا منقسمة إلى معسكرات مسلحة آخذة في الانزلاق نحو الإبادة الجماعية. لقد تلقنت كل دولة، أو ينبغي أن تكون قد تلقنت، درسا مهما: إن الحرية تستحق القتال في سبيلها، والموت من أجلها، ومناصرتها، وإن تقدم الحرية يقود إلى السلام.

وينبغي علينا الآن أن نطبق ذلك الدرس في وقتنا الحاضر. فقد وصلنا إلى نقطة تحول أخرى عظيمة، وستحدد العزيمة التي نظهرها شكل المرحلة التالية من الحركة الديمقراطية العالمية.

يجري اختبار التزامنا بالديمقراطية في دول مثل كوبا وبورما وكوريا الشمالية وزمبابوي، بؤر الاضطهاد في عالمنا. ويعيش الناس في هذه الدول في حالة عبودية وخوف وصمت. إلا أن تلك الأنظمة لا تستطيع كبح الحرية إلى الأبد، وسيبرز في يوم ما زعماء ديمقراطيون جدد من معسكرات السجون ومن زنزانات السجون ومن المنفى.

إن الشيوعية والتسلط العسكري وحكم أصحاب النزوات والفاسدين أمور من مخلفات حقبة منصرمة. وسنقف إلى جانب هذه الشعوب المضطهدة حتى يحل أخيرا يوم التحرير والحرية.

ويتم اختبار التزامنا بالديمقراطية في الصين. وقد أصبح لدى تلك الدولة الآن شظية أو جزء صغير من الحرية. ولكن الشعب الصيني سيريد حريته في يوم من الأيام كاملة صِرفة.

لقد اكتشفت الصين أن الحرية الاقتصادية تؤدي إلى الثروة القومية. وسيكتشف قادة الصين أيضا أن الحرية لا يمكن تجزئتها وأن الحرية الاجتماعية والدينية أساسية هي أيضا للعَظمة القومية وللكرامة القومية. وفي نهاية المطاف، سيصر الرجال والنساء الذين سمح لهم بالتحكم بثروتهم على التحكم بحياتهم وبلدهم.

كما يجري اختبار التزامنا بالديمقراطية في الشرق الأوسط، وهو محور اهتمامي اليوم وينبغي أن يكون محور اهتمام السياسة الأمريكية لعقود قادمة. إن الديمقراطية لم تتجذر حتى الآن في الكثير من بلدان الشرق الأوسط، في دول ذات أهمية إستراتيجية عظيمة، ويبرز السؤال: هل تقع شعوب الشرق الأوسط بشكل ما خارج نطاق تأثير الحرية؟ هل حكم على الملايين من الرجال والنساء والأطفال العيش في ظل الاستبداد بسبب التاريخ أو الثقافة؟ هل هم وحدهم دون سواهم الذين لن يعرفوا الحرية ولن يحصلوا إطلاقا حتى على فرصة أن يكون لهم رأي في المسألة؟

أنا شخصيا، لا أصدق ذلك. أنا أومن أن لدى كل إنسان القدرة والحق في أن يكون حرا.

ويؤكد بعض المشككين في الديمقراطية بأن تقاليد الإسلام لا تلائم نظام الحكم التمثيلي. ولهذا الشعور بالتفوق الثقافي، كما وصفه رونالد ريجان، تاريخ طويل.

فبعد استسلام اليابان في عام 1945، جزم خبير مزعوم بشؤون اليابان بأن الديمقراطية"لن تنجح إطلاقا"، على حد تعبيره، في تلك الإمبراطورية السابقة.

وأعلن مراقب آخر أن فرص (نجاح) الديمقراطية في ألمانيا ما بعد هتلر هي، على حد قوله"غير مؤكدة إطلاقا، في أفضل الحالات"، وقد أعلن هذا الادعاء في عام 1957.

وقالت صحيفة صنداي لندن تايمز قبل أربعة وسبعين عاما: إن تسعة أعشار الشعب الهندي"أميون، ليس لديهم أدنى اهتمام بالسياسة"، ولكن الشعب الهندي أظهر التزامه بالحرية، عندما تعرضت الديمقراطية الهندية للخطر في السبعينيات من القرن الماضي، من خلال استفتاء قومي أنقذ طريقة الحكم فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت